25 أكتوبر، 2020
عن حياة وعهد الزعيم التركي الثوري تورغوت أوزال

عن حياة وعهد الزعيم التركي الثوري تورغوت أوزال

تمت ترجمة المقال بموافقة TRTWorld

المقال الأصلي هنا

17 أبريل 2020

توفي الزعيم تورجوت أوزال في 17 أبريل 1993، وكان قد شغل منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء في أوقات سابقة، ويعتبر أحد العمالقة المحافظين الذين جلبوا المحيط التركي إلى المركز.

تحتفي تركيا بالذكرى السابعة والعشرين لوفاة تورغوت أوزال، أحد زعمائها البارزين، والذي توفي بشكل غير متوقع في 17 نيسان، وقد شيّع جنازته التي أقيمت برعاية من الدولة  مئات الآلاف من المواطنين الأتراك، كما حضرها عدد من كبار الشخصيات من 72 دولة.

سياسات أوزال المحافظة المعتدلة، والنهج الليبرالي الذي تبناه تجاه مختلف القضايا – التي تنوعت بين الإدارة الاقتصادية للبلاد، والعمل على تقليص النفوذ القوي للعسكر على النظام السياسي – أدت إلى تغيير تركيا بطرق غير متوقعة، وجاءت تلك السياسات وما أنتجته من تغيرات في أعقاب معاناة البلاد من انقلاب عسكري وحشي في العام 1980، والذي قام بتصفية وتقويض مختلف الأحزاب والمؤسسات السياسية.

اشتُهر عن أوزال ما أعلنه من تلخيص لفلسفته السياسية الرئيسية من خلال قوله”على الدولة أن تخدم الشعب، الشعب ليس معنياً بخدمة الدولة”، الأمر الذي شكّل مصدر إلهام للعديد من السياسيين الآخرين، بمن فيهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي قام بتأسيس حزب العدالة والتنمية بناء على فلسفة مماثلة لفلسفة أوزال في العام 2001.

أسس أوزال حزب الوطن الأم ( Anavatan Partisi بالتركية) في العام 1983مع أعضاء من مختلف الانتماءات السياسية، بمن فيهم من القوميين والمتدينين والليبراليين، وبعض ممن يحملون رؤى اجتماعية ديمقراطية، الأمر الذي أدى إلى تحقيقهم انتصاراً ساحقاً في الانتخابات العامة في أواخر العام 1983.

الرئيس التركي السابق كنعان إيفرين، الذي قاد أيضاً الانقلاب العسكري في العام 1980، يلتقي مع زعيم حزب الوطن الأم تورجوت أوزال، في 9 نوفمبر 1983. (أرشيف AA).

في العام 1987، فاز حزب الوطن الأم في انتخابات عامة أخرى لكن مع انخفاض في نسبة التصويت الانتخابي له.

ولكن، ولأنه غير نظام الانتخابات في البلاد، من خلال وضع عتبة ال 10% كشرط لتمثيل الأحزاب في البرلمان، تمكن الحزب من تحقيق الأغلبية، وتشكيل حكومة أخرى.

وفي العام 1989، تم انتخاب أوزال ليغدو الرئيس الثامن لتركيا، ليكون بالتالي أول سياسي من أصل مدني على الإطلاق يصعد إلى أعلى منصب في الدولة منذ تأسيس الجمهورية التركية، كان جميع رؤساء البلاد السابقين بمن فيهم مصطفى كمال أتاتورك -الأب المؤسس لتركيا- من خلفيات عسكرية.

من خلال ذلك، استطاع  أوزال بالتالي تشكيل استثناء منقطع النظير في النظام السياسي في تركيا، حيث كان للعسكر سطوة مهيمنة لعقود، صارعوا خلالها الحكم الديمقراطي من خلال تنفيذ الانقلابات العسكرية من وقت لآخر.

لكنه عاش وسط التوترات القائمة مع الجيش.

وفي العام 1988، وأثناء مؤتمر لحزبه، تعرض لمحاولة اغتيال، يُزعم أنها كانت جزئياً من تدبير النخب العسكرية في البلاد، ولحسن الحظ أنه نجا من الاغتيال مع إصابته بجروح طفيفة.

أوزال يقف على المنصة بعد محاولة اغتيال فاشلة استهدفت حياته خلال مؤتمر حزب الوطن الأم في 18 يونيو 1988.
(Youtube).

لكنه اعتبر  بقائه على قيد الحياة أمراً قدرياً، حيث قال: “أريد أن أؤكد بشكل خاص أنه لا يمكن لأحد أن ينهي حياة شخص آخر دون أمر من الله لأن الأعمار بيده”.

“لقد استسلمنا لارادته”.

لطالما كان تدين أوزال أحد أهم الأبعاد في مساره المهني الاستثنائي بوصفه سياسياً.

خلفية أوزال

ولد أوزال في مقاطعة مالاطيا شرق تركيا في العام 1927، وينحدر أوزال من أصل نصفه كردي، الأمر الذي لم يخجل أوزال من مشاركته مع الجماهير، وذلك على عكس كبار السياسيين السابقين، حيث لم يعد ينظر إلى هذا الأمر بوصفه أحد المحرمات.

كما كان أول رئيس ولد في الفترة الجمهورية، حيث ولد جميع الرؤساء السابقين خلال فترة الإمبراطورية العثمانية.

كان والده رجلاً متديناً للغاية مثل جده الذي لم يعجب كثيراً بسردية  الجمهورية العلمانية المتشددة والمنحازة التي ظهرت مبكراً فيما يتعلق بالعثمانيين ودولتهم، وهي الدولة التركية سابقاً.

وفي إحدى المناسبات، تحدث أوزال عن موقف جده من أحد السلاطين الراحلين ممن حكموا الإمبراطورية العثمانية، وهو السلطان عبد الحميد الثاني، الذي وصفته كتب تاريخ الجمهورية المبكرة بأنه “السلطان الأحمر” كناية عن أنه زعيم متوحش.

وقال أوزال في خطاب له عندما كان قائداً للبلاد “كنت أقرأ كتاب التاريخ الذي يصف عبد الحميد الثاني بأنه” السلطان الأحمر “، وكان يستمع إليه، أخيراً، أخبرني بأن “كل هذه الثرثرات عبارة عن مجموعة من الأكاذيب، إنهم يعلمونكم أشياء خاطئة”،  لكنني ناقشته بشكل مخالف لرأيه قائلاً، كيف يمكنك أن تعرف بشكل أفضل من الكتاب”.

رئيس الوزراء التركي تورجوت أوزال يحيي مواطني ولايته في ملاطية خلال مهرجان المشمش في 21 يوليو 1986. (أرشيف AA).

وبعد ذهابه إلى الولايات المتحدة في الخمسينيات، ولاحقاً في السبعينيات لمواصلة تعليمه بعد تخرجه من كلية الهندسة الكهربائية في جامعة اسطنبول التقنية، وهي واحدة من أقدم المؤسسات التعليمية التي تعود إلى الفترة العثمانية، كانت لدى أوزال  الفرصة لقراءة كتب أخرى عن حياة وإرث عبد الحميد الثاني باللغة الإنجليزية.

وفي نهاية المطاف، خلص إلى أن “جده كان على حق” وليس الكتب المدرسية الجمهورية المبكرة.

وعلق السياسي غير التقليدي بقوله: “وهنا تسائلت في نفسي عن مدى خطأ هذا النوع من تدريس التاريخ”.

ونتيجة لذلك، قام أوزال بمقاربة الماضي العثماني بشكل مختلف عن العديد من أسلافه بعد وصوله إلى السلطة، الأمر الذي دفع البعض – متابعة لنهجهم المضطرب والمتعصب في التقييم – ليطلقوا على مقاربته اسم “العثمانية الجديدة” التي هدفت لزيادة نفوذ تركيا في المناطق العثمانية السابقة من البلقان إلى القوقاز والشرق الأوسط.

ويمكن ملاحظة أن نهج أردوغان – الذي دافع أيضاً عن توسيع النفوذ التركي في جميع المجالات –  يتقاطع في كثير من أوجه الشبه مع  نهج السياسي أوزال، وقد أشاد أردوغان بإنجازات الرئيس السابق أوزال.

وقد قال أردوغان العام الماضي في إحياء الذكرى السنوية لوفاة الزعيم التركي السابق، “إن الراحل تورغوت أوزال لعب دوراً قيادياً في التنمية والتقدم في بلادنا، حيث حصل على مكان خاص في قلب الأمة”.

وكان أوزال أيضاً جزءاً من حركة ميلي غوروس (وجهة النظر الوطنية) ذات العقلية الدينية، والتي تركت بصمة عميقة في السياسة التركية منذ أواخر الستينيات، حيث قامت بإنشاء عدة أحزاب للدفاع عن السياسة المحافظة من خلال التأكيد على الحاجة للاستمرارية بين الماضي العثماني و الحاضر الجمهوري.

تم تصوير تورغوت أوزال مع إخوته المؤثرين، يوسف بوزكورت أوزال (على اليسار)، وكوركوت أوزال، والذي كان عضوًا بارزًا في حركة ميلي غوروس (وجهة النظر الوطنية)، حتى أنه شكل تحدياً لزعيم الحركة نجم الدين أربكان في مرحلة ما، تم التقاط الصورة في 17 يونيو 1988. (أرشيف AA).

نجم الدين أربكان، مؤسس وقائد الحركة، كان من أتباع محمد زاهد كوتكو، زعيم جماعة إسكندر باشا، وهي فرع من الطريقة النقشبندية الصوفية المنتشرة عالمياً، والمشاركة في توجيه الكثير من هذه الأحزاب حتى أواخر التسعينات، وكان كل من أوزال وأردوغان أعضاء في الحركة تحت قيادة أربكان.

سياسة اوزال الاقتصادية

دافع أوزال عن تحرير الاقتصاد التركي من خلال فتحه للعالم الخارجي، و القيام بالخصخصة المكثفة لبعض القطاعات العامة، الأمر الذي أدى إلى مواجهته بعض الانتقادات، كما وضعه في مواجهة الخلافات مع بعض قادة النقابات الأقوياء، والسياسيين المؤيدين للعمال.

في سنوات أوزال، كان التضخم في تركيا مرتفعاً جداً، حيث ضرب خانة الرقمين معظم الوقت، مما زاد في معاناة الأسر المنخفضة الدخل.

رئيس الوزراء التركي تورغوت اوزال ورئيس الوزراء الاسباني فيليبي جونزاليس في الصورة في قصر مونكلوا، سبتمبر 1989، (الائتمان: وزارة رئاسة حكومة إسبانيا / ويكيبيديا كومنز).

على الرغم من انتقاد سياسته الاقتصادية، كان لأوزال معرفة وخبرة واسعة في الاقتصاد، حيث عمل لدى منظمة تخطيط الدولة المرموقة (Devlet Planlama Teskilati: DPT)، كما عمل لدى البنك الدولي في الولايات المتحدة بين عامي 1971 و 1973، حيث طور مهاراته في اللغة الإنجليزية.

خلال منتصف السبعينيات،  عمل أوزال أيضاً في العديد من الشركات الخاصة بما في ذلك Sabanci Holding””، مما زاد من خبرته، في العام 1979، أصبح وكيلاً لرئيس الوزراء الراحل سليمان ديميريل، والذي سيصبح فيما بعد خصمه السياسي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينات.

وفي عهد ديميريل، أسهم أوزال في تطوير قرارات 24 كانون الثاني التي تعرضت لانتقادات كثيرة، كما أسهم في الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة التي مهدت الطريق لتحرير البلاد المالي.

وفي ذات الوقت الذي واجهت سياساته الاقتصادية انتقادات قاسية، ينسب الكثيرون  له الفضل في دعم النمو الاقتصادي التركي.

وفاة أوزال المشبوهة

توفي أوزال فجأة في العام 1993 عندما كان رئيساً، ويبدو أن وفاة أوزال حدثت في ظروف مريبة، وقد أظهر تشريح الجثة بعد الدفن الذي تم إجراؤه على جثته التي تم استخراجها في أواخر العام 2012 أنه تعرض للسم، لكن التقرير كان مقتضباً واقتصر على القول بأن  هذا ما قتل الرئيس الراحل.

كما يدعي أفراد عائلة أوزال أنه مات نتيجة التسمم.

ولكن، ووفقاً لتقرير الوفاة الرسمي، توفي الرئيس السابق بسبب النوبة القلبية.

شارك في النقاش

تابعنا