25 أكتوبر، 2020
ركائز الحكم الشمولي الرجعي العربي

ركائز الحكم الشمولي الرجعي العربي

حيّان جابر

تدمير وتفتيت المجتمع المحلي

انطلقت الأنظمة العربية الحاكمة من توطيد ركائز هيمنتها وسيطرتها الاجتماعية والسياسية المحلية، عبر تدمير وتفتيت قوى المجتمع المحلي، سياسية كانت أو اجتماعية، عبر التصفية الجسدية المباشرة، والإخفاء القسري، والاعتقال التعسفي الذي تخللته أيضاً تصفية جسدية لبعض المعتقلين، أو المختفين قسرياً، داخل السجون والزنازين الرسمية؛ مما وضع الأحزاب والقوى السياسية التي كانت قائمة في لحظة سيطرة النظام الشمولي الرجعي العربي أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التصفية الجسدية والملاحقة الأمنية لكل من رفض الانصياع لإرادة الحكام، أو الاضمحلال والذوبان والتقوقع، وحل جميع الهياكل التنظيمية والشعبية والسياسية التي كانت قائمة، كي تصبح هذه الأحزاب مجرد مجموعات فئوية صغيرة، ذات طابع عائلي، أو فئوي، أو ثقافي، محدد ومحدود العدد، يعتاش على فتات السلطة، وبإذن منها.

ثم “وربما بالتوازي” عملت الأنظمة سريعاً على ملء هذا الفراغ الاجتماعي والسياسي، عبر تعزيز نفوذ وسيطرة وهيمنة وقدرة المرجعيات دون الوطنية، جاعلة منها البديل الجاهز والوحيد لسد الفراغ الذي تسبب به غياب الحركة السياسية الحزبية شعبياً واجتماعياً وسياسياً، لينحصر التمثيل الاجتماعي داخل مؤسسات الدولة الخدمية والهامشية – مثل المؤسسات العلمية والإعلامية والإدارية والتشريعية، كمجلس النواب، وبعض النقابات والهيئات المهنية الشكلية – في أحزاب هامشية وكاريكاتورية فئوية الطابع؛ ومن خلال مرشحي المرجعيات دون الوطنية، مما كرس تقسيم المجتمع على أسس إثنية وعرقية وعشائرية وقبلية، ونحَّى الخلاف السياسي والفكري والأيديولوجي بشكل نهائي لصالح سيادة رؤية وخطاب وتوجه النظام.
وعليه، سعت الأنظمة العربية، ومنذ أيامها الأولى في الحكم، إلى تفكيك البنية الاجتماعية المحلية، عبر تكريس دور ونفوذ ممثلي الانتماءات الرجعية في مؤسسات الدولة، وبالتالي تعزيز نفوذهم اجتماعياً، من أجل توطيد ركائز حكم استبدادي رجعي، وتقليص احتمالات إسقاطه بقوة الشارع الموحد والواعي أولاً، ومن أجل المضي قدماً في نهب المال العام بغياب كامل لأي محاسبة، أو مساءلة قانونية، أو سياسية، ثانياً، فالشعب أضحى شعوباً، أو مجموعات متفرقة لكل منها مرجعية اجتماعية دينية، أو قبلية. بل عملت السلطة على خلق مرجعيات غير موجودة من قبلها، كي توغل في تقسيم المجتمع وربطه مصلحياً بممثلين فاسدين يدينون بالولاء لها وحدها، ومنحوا مزايا مالية واجتماعية تشد من عزمهم وقوتهم وقدرتهم في السيطرة على الفئات الشعبية، لتضحي هذه المرجعيات هي السبيل الأسهل والأضمن؛ وغالباً الوحيد؛ المتاح للمواطنين، حتى في ما يتعلق بنيلهم حقوقهم الطبيعية والبديهية، كحق العمل، ومتابعة الدراسة، والطبابة.

مفاعيل غياب أي مساءلة
وفي ظل غياب أي مساءلة، سياسية كانت أو قانونية، فإن هذا سهل على النظم المسيطرة تخصيص ميزانيات شحيحة ومتقشفة من أجل تسيير مهام الدولة الاجتماعية، الطبية منها والتعليمية والبنيوية، وهو ما جعل جل هذه المهام، أو الخدمات الاجتماعية، رديئة جداً، وتكاد تنعدم، خصوصاً في المدن والبلدات والمحافظات الطرفية غير الرئيسية.

وتحولت ميزانيات الوزارات والمحافظات والمجالس البلدية إلى مخصصات سرية، تنهبها المرجعيات دون الوطنية، والأحزاب السياسية الشكلية المنحلة فعلياً من أجل ضمان سكوتها وخنوعها للمافيا الحاكمة، لذلك نشهد تنافساً شديداً بينها على كمية ونوعية الوزارات والمحافظات والمجالس، حتى لو كانت بلدية، أو محلية، فلكل منها ميزانيتها وخصوصيتها التي قد يتوسع بها هامش النهب والفساد والسرقة، مما يسيل لعاب الفاسدين. أما العائد الأكبر والأهم من ميزانية الدولة ودخلها الوطني، أو القومي، ومن ثرواتها الطبيعية والمعدنية، فيتجه نحو جيوب المافيا الحاكمة سراً وعلناً، من خلال البنود والموازنات والعوائد السرية التي يحظر الكشف، أو الإفصاح عنها، بذريعة الحفاظ على الأمن الوطني والقومي، أو عن طريق نهب الخيرات والثروات الوطنية، وتهريبها إلى الخارج عبر مرافئ ومعابر خاصة بالمافيا الحاكمة، لا تخضع لأي تفتيش، أو متابعة ومراقبة.

بكلمات أخرى تم تأسيس النظام الشمولي الرجعي العربي على ثلاثة مرتكزات رئيسية، يتمثل الأول في القبضة الأمنية الاستبدادية القادرة على مواجهة أي متغير داخلي قد يهدد بقاءه، أو حتى يكشف اللثام عن خفايا الحكم مهما صغر، وهو ما تجلى بصورة واضحة في الإجرامية والوحشية والعنف المفرط الذي تعاملت به الأنظمة العربية المختلفة مع جميع الحركات الشعبية الاحتجاجية، مهما صغر حجمها، وانخفض سقف مطالبها وأهدافها، بل حتى عند لجوئها إلى وسائل وأساليب سلمية. كما تتجلى في عملية التصفية السرية التي تطال رجال النظام، ممن أبعدوا، أو ابتعدوا، لأي سبب كان عن واجهة الأوضاع، ممن يملكون معلومات عن كيفية إدارة الحكم من قبل هذه العصابة، لذا يتم تصفيتهم بسرعة قبل أن تتسرب منهم أي معلومة مهما صغر حجمها.

في حين يمثل المال والمصلحة المادية والتستر على نهب وسلب المال العام الركيزة الثانية التي تجمع أقطاب العصابة الحاكمة، وتربطهم في ما بينهم برابطة قوية يصعب الفكاك منها، فجميعهم متورطون في هذه القضايا، وشركاء في كل الصفقات المشبوهة، السرية منها والعلنية، لذا يصبح خروج أي كان خطراً يهدد مصير مجمل العصابة، ويصعب احتواؤه، وهو ما يفسر تماسك الأفراد واستماتتهم في الدفاع عن مجمل العصابة، لدرجة يصعب معها التضحية بأي من أقطابها دون تصفيته جسدياً، كما يستخدم المال المنهوب في تشكيل جيش كامل من المستفيدين والمعتاشين على هذا الفساد، من صغار وكبار التجار، إلى وجهاء المناطق والانتماءات قبل الوطنية، ورجال الدين والسياسة والثقافة أيضاً، فضلاً عن المفقرين والعاطلين عن العمل الذين يجبرون بحكم الظروف ودونية أخلاقهم على التورط مع هذه المنظومة الفاسدة والمفسدة. وأخيراً، يؤسس النظام الشمولي الرجعي على زيادة تخلف المجتمع، وتدمير وعيه الوطني، وتفتيته إلى مرجعيات إثنية وعرقية وعشائرية وقبلية، يسهل تسييرها والتحكم بها وزجها في أتون صراعات جانبية جوفاء في ما بينها، مما يحمي النظام ويبعد عنه شبح الثورة الشعبية الشاملة والموحدة.

مشوار استعادة الروح
على ضوء ذلك كله، انفجرت الثورات الشعبية في واقع أمني واجتماعي واقتصادي نابذ لها، على الرغم من توافر شروطها الموضوعية، أي الإفقار والتجويع، وسوء الخدمات العامة والخاصة، غير أن شروط نجاحها الذاتية مفقودة منذ اليوم الأول لتشييد الحكم الشمولي المتخلف، وهو ما يفسر كثرة وكبر حجم العثرات والمعوقات التي واجهت الحركة الثورية العربية، بموجتيها الأولى والثانية، والتي أدت إلى محدودية نتائجها حتى الآن. من ناحية أخرى، فإن تنامي وتضخم مظاهر الفساد والقتل والاقتتال والانقسام في المجتمع يعود إلى سياسات وممارسات النظام الشمولي الرجعي على مدار العقود والسنوات الماضية بالدرجة الأولى والثانية والعاشرة، بينما لعبت الثورات الشعبية دور المسرع لخروجها إلى السطح السياسي والاجتماعي فقط، دون أن نغفل دور بعض القوى المحسوبة على الحركة الثورية، أو الاحتجاجية، من عملاء الخارج، أو من بعض الفئات المعارضة لنظام الحكم، فقط لعدم مشاركتها به، أي من الذين يعارضون أفراداً وأشخاصاً من المنظومة الحاكمة، بينما يؤيدون مجمل منظومة الفساد والإفساد القائمة.

“عبر استعادة الانتماء الوطني اجتماعياً وسياسياً يفتح الباب واسعاً أمام القوى والاتجاهات السياسية كي تعبر عن مواقفها الوطنية الجامعة، بعيداً عن الخزعبلات والترهات السياسية التي يتفوه بها بعض مدعي العمل السياسي من دمى السلطات المسيطرة ورجالاتها”

لذا يصعب على أي حركة احتجاجية شعبية تحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكاملة من دون هدم أسس الحكم الشمولي والرجعي القائم اليوم، وهو أمر يتطلب كثيراً من الجهد والوقت والمثابرة، فمشوار استعادة الروح والانتماء، والشعور الوطني الجامع، وتجاوز الانتماءات العصبوية الفئوية، هو مهمة نضالية ميدانية لا يمكن إنجازها وفق أهواء وتخيلات بعض المثقفين “المتثاقفين” العرب عبر مجموعة من الكتابات والطروحات النظرية المعزولة عن الواقع، التي لا تعرف طريقها إلى الشعب، فعلى أهمية الطرح والنضال النظري، أو الثقافي، إلا أن تأثيره في ظل غياب الممارسة الثورية والوطنية العملية يقارب الصفر، في حين يكتسب زخمه وتأثيره كلما التصق بحركة الشارع، وعبر عنها، وبحث عن حلول واقعية وعملية لجميع مشاكلها، وهو ما شاهدنا بعض نماذجه أثناء الحركة الثورية السودانية والعراقية واللبنانية، وإن تفاوت حجم تأثيره ودوره في كل منها. فعبر استعادة الانتماء الوطني اجتماعياً وسياسياً يفتح الباب واسعاً أمام القوى والاتجاهات السياسية كي تعبر عن مواقفها الوطنية الجامعة، بعيداً عن الخزعبلات والترهات السياسية التي يتفوه بها بعض مدعي العمل السياسي من دمى السلطات المسيطرة ورجالاتها. أما أساس النظام الشمولي الرجعي الاقتصادي فيتطلب فضح الفاسدين والمفسدين من أعلى الهرم إلى أسفله، وبغض النظر عن انتماءاتهم الإثنية والعرقية، بغرض محاكمتهم في ظل قضاء مدني نزيه ومستقل عن أي سلطة سياسية مهما كانت، وهو ما نشهد بعض فصول تجلياته النضالية، في خضم تنامي وعي الحركة الثورية اللبنانية والعراقية، التي تعمل على فضح جميع رموز الفساد من جميع الملل والمذاهب والطوائف الدينية والسياسية، الراهنين منهم والتاريخيين، ممن ابتعدوا قليلاً عن واجهة الأحداث، بما فيها فساد القضاة والمنظومة القضائية الخاضعة والحامية لهذا النظام، من أجل تحرير القضاء، وضمان نزاهته واستقلاليته، كخطوة أولى في مسار محاسبة المفسدين والفاسدين والمجرمين المسؤولين عن الأوضاع الكارثية التي يمر بها الوطن والمواطن، والمسؤولين عن مقتل وسجن وتعذيب وتهجير العديد من المواطنين أيضاً. لكنه يتطلب كذلك رؤية اقتصادية بديلة وجريئة ومناقضة للبنية القائمة، بنية تضع تطوير وتفعيل العملية الإنتاجية على رأس أولوياتها، وتطرح رؤى عملية لاستثمار الثروات الوطنية الطبيعية والبشرية وفق مخطط واضح ومعلن وشفاف، بالتوازي مع تفعيل الدور الرقابي الاجتماعي والسياسي، وإمكانية المحاسبة القضائية لجميع المسؤولين مهما علا شأنهم.

عند ذلك قد نشهد انهيار وتفكك المنظومة الأمنية نتيجة انفضاض مجمل فئات وطبقات الشعب المسحوقة من حولها، لأن توافر البديل الوطني اقتصادياً واجتماعياً سيعزز لا محالة من تطلعات العديدين نحو مستقبل مختلف يستند إلى منطق الحق والقوة القضائية، كبديل عملي لمنطق القهر والإذلال القائم اليوم، لذا وإن لم تنهر المنظومة الأمنية تلقائياً في هذه المرحلة، فإنها على الأقل ستخسر الجزء الأكبر من قوتها الميدانية، متمثلة في قدرتها على تجنيد المسحوقين والمفقرين من أبناء الوطن، وبذلك يسهل على الحركة الثورية مواجهتها والقضاء عليها، وإعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس حماية وصون أمن المواطن والوطن من أي خطر خارجي يهدده، بعدما كانت تجسيداً لهيمنة وسيطرة وتحكم النظام الشمولي الرجعي بجميع القضايا الداخلية والخارجية.

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/opinions/2020/3/14/ركائز-الحكم-الشمولي-الرجعي-العربي

شارك في النقاش

تابعنا