25 أكتوبر، 2020
داود أوغلو حول تجربة حكومته في تمدين الدولة وإرساء الرقابة المدنية على الاستخبارات والجيش

داود أوغلو حول تجربة حكومته في تمدين الدولة وإرساء الرقابة المدنية على الاستخبارات والجيش

17 ديسمبر 2014

أعلن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بأنه سيستقيل، متيحاً الفرصة للرئيس رجب طيب أردوغان لتشديد قبضته على السلطة. وقد حكمت حكومة حزب العدالة والتنمية تركيا لمدة 14 عامًا،قادت خلالها النمو الاقتصادي الكبير لتركيا بالتوازي مع ارتفاع مكانة تركيا العالمية، فيما يقول منتقدون بأن المعارضة الداخلية قد تم إسكاتها، كما تم قمع الحريات الديمقراطية وسط استمرار تفشي الفساد.

رابط نحو نص الحوار الأصلي بالانجليزية

ريتشارد فولك

أحمد داود أوغلو

17 ديسمبر 2014.

قصة دولتين؟

ريتشارد فولك: كتب إريك رولو، السفير الفرنسي لدى تركيا في أوائل التسعينات مقالاً في المجلة الأمريكية Foreign Affairs شؤون خارجية، أشار فيه إلى شكوكه حول قدرة أي حكومة تركية منتخبة علىالتحكم ب “الدولة العميقة” التي  بسطت من خلالها القوات المسلحة التركية وأجهزة الاستخبارات نفوذاً واسعاً على الحكومة التركية، بما في ذلك صلاحية السماح لها بالقيام بانقلابات عسكرية دورية. فكيف استطاعت قيادة حزب العدالة والتنمية تجاوز ذلك العائق، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار شدة المعارضة التي أبدتها النخب الأشد علمانية بعد تنحيها عن السلطة؟ وأيضاً بالنظر إلى الاضطرابات الأخيرة في تركيا والمنطقة عموماً، فهل هذه العملية لا رجعة فيها؟ وبعبارة أخرى، هل هناك فرصة معقولة لديمومةما حدث من عملية “تمدين الدولة التركية” ؟

أحمد داود أوغلو: كان تمدين السياسة أهم نجاح في حقبتنا على مدى السنوات الـ 13 الماضية. كانت هناك ثلاث حقب للديمقراطية التركية: فترة الحزب الأول الوحيد في الدولة على أساس القيادة الكاريزمية لأتاتورك وتبعه اينونو، وكانت هناك بعض المحاولات للمعارضة، ولكن في نهاية المطاف، كانت البيروقراطيات العسكرية والمدنية نخباً اجتماعية، وهي حالة تعود إلى عصر إعادة التنظيم في العهد العثماني، فقط بعد العام 1950 كانت هناك ديمقراطية متعددة الأحزاب في تركيا.

بالأمس، في لقائي بوزرائنا، وبعد ذلك مع بعض الصحفيين، أشرت إلى أنه خلال الحقبة الديمقراطية المتعددة الأحزاب، لم تكن هناك في الواقع ديمقراطية حقيقية على الرغم من كل المناورات السياسية متعددة الأحزاب، حيث سيطرت البيروقراطيات العسكرية والمدنية على  المعالم الأساسية لجوهر وأساليب السياسة، لكنها سمحت للسلطة المدنية بالعمل في بعض المجالات بشكل مُقيّد، عندما تنظر  في نجاحات زعيم سابق مثل عدنان مندريس (رئيس الوزراء التركي ، 1950 – 1960)، يظهر لك ذلك التفويض المدني المقيد بشكل واضح، حيث كان يعرف باسم “باني الطرق”، لكنه كان مجهولا في مجال السياسة الخارجية أو العديد من إنجازاته الأخرى، باستثناء التحسينات في البنية التحتية، ثم كان هناك سليمان ديميريل، الذي اشتهر على وجه الخصوص بصفته  “ملك للسدود”، جاء بعد ذلك خليل توركت أوزال الذي فتح الاقتصاد وحرره من خلال تعزيز القطاع الخاص.

هناك مجالات معينة حيث تعمل فيها الدولة العميقة دائماً، حتى بين المواطنين العاديين، كان التصور العام هو أنه عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية وقضايا استراتيجية مثل الأمن والدفاع، بالإضافة إلى البنى والهياكل القانونية للنظام، والعلاقات الاقتصادية الاستراتيجية مع الاقتصاد الدولي، فإنها المجالات السياسية التي لا ينبغي ولا يمكن للسلطة المدنية السيطرة عليها، كان هذا ما قد فهمه جميع القادة السابقين، وتصرفوا بناء على ذلك.

على سبيل المثال، خذ مسألة قبرص، يدرك بعض الأشخاص المطلعين على الحقائق السياسية في تركيا أن التأثير المدني على حل النزاع محدود للغاية، لا يزال بعض منتقدينا يُصرُّون على أن تكون السياسة الخارجية محورها مصلحة الأمة ، وخارج نطالق الممارسة السياسية، في الواقع، هم يقولون بأن البيروقراطية في أنقرة هي وحدها التي يمكنها أن تقرر ما الذي يجب أن تكون عليه سياستنا تجاه المسألة القبرصية، وذلك بناءً على قراءتها للمصلحة الوطنية بالتنسيق والمشورة مع الدفاع والاستخبارات.

لذا، حتى وصولنا إلى السلطة، لم يكن لرئيس الوزراء سيطرة شاملة على الحكومة وسياساتها، حتى بعد الانقلاب العسكري، يمكنك أن ترى بوضوح بأنّ السياسيين لم يتمكنوا من التملص من الرقابة العسكرية، الأمر الذي أدى بدوره إلى نظام الوصاية من قبل العسكر، وقد أشار بعض رؤساء الوزراء إلى الجيش باعتبارهيحوز السلطة النهائية، الأمر الذي شجع الجيش علىالقيامبالتعبير عن آرائه في جميع القضايا تقريباً، على سبيل المثال، في مجال التعليم، كان من المتوقع ألا يتدخل القادة المدنيون في التعليم، على اعتبار  أنه تعليم وطني، وقد تم التعامل معه على أنه يقع تحت هيمنة السلطة العسكرية، ينطبق نفس المنطق على السياسة الخارجية، حيث كان يُنظر إلى مجال الخارجية أيضًا على أنه بُعد من أبعاد حماية الأمة، وبالتالي يقع ضمن مسؤوليات العسكر،وبشكل لافت للنظر، لم يشكك أحد في المعايير المعتمدة في تحديد قضية ما على أنها “وطنية”.

على النقيض من ذلك، خلال السنوات الـ 13 التي قمنا فيها بإدارة الحكومة، واجهنا العديد من التحديات لسياستنا، لنأخذ مثلا قضية قبرص في العام 2004 (عندما انضمت تركيا والقبارصة الأتراك إلى خطة عنان لإعادة توحيد الجزيرة، بينما رفضها غالبية القبارصة اليونانيين)،حيث تم استجوابنا وانتقادنا، وقد زعمت الأصوات القوية في الدولة العميقة أننا نخون المصالح الوطنية التركية لأننا لم نتبع نمط السياسة السابق، والذي تضمن بشكل أساسي الإذعانللعسكر، لكن الأمور تغيرت، وأقرّ معظم الأشخاص المؤثرين في تركيا الآن بأن سياسة حزب العدالة والتنمية بشأن قبرص كانت ناجحة.

وكان الأمر مشابهاً فيما يتعلق بأنشطة الاستخبارات، حيث كان هناك نقاش حول الصلاحيات والمبادئ الأخلاقية الناظمة لعمل مؤسسة الاستخبارات الوطنية(MIT)، ولأول مرة على الإطلاق، كانت الإدارة المدنية، وبالتالي السيطرة السياسية عليها موجودة بالكامل. كان مدير المؤسسة”حقان فيدان” هدفاً للانتقاد لأن الأشخاص المؤثرين في الحكومة التركية اعتبروا أن نشاط مؤسسة الاستخبارات الوطنية لا يجب أن يكون نشاطاً مستقلاً، بل يجب أنيُنفذ أنشطته تحت رقابة الجيش.لقد اشتكى رئيس الوزراء الأسبق سليمان ديميريل ذات مرة من أن أجهزة الاستخبارات لدينا كانت تُبلّغ تركيا بشأن الانقلابات العسكرية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وفي كل مكان آخر في العالم، ولكنها لا تبلغ عن تلك التي تقع في أنقرة، من الناحية الرسمية، كانت الاستخبارات موجودة في مكتب رئيس الوزراء، ولكن في الممارسة العملية في العام1980، لم يقوموا بإخباررئيس الوزراء سليمان ديميريل عندما تم التخطيطللانقلابالعسكري،كما أنهم نفوا  معرفتهم بمعلومات مشابهةلرئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس في العام 1960، عندما تم تنفيذ انقلاب عسكري آخر على حكومته في ذلك الوقت.

هناك مجال هام آخر يتعلق بالسياسات الاقتصادية الكلية تجاه الشركات والمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي، حيث تم اعتبارها خارج المجال المخوّل للسياسة، نجاحنا الأساسي هو تمكننا من إقامة توازن جديد بين المساءلة والمسؤولية، وكذلك إعادة توزيع التوقعات حول ممارسة السلطة الحكومية، قبل أن نأتي إلى الحكومة، كان القادة السياسيون مسؤولين عن هذه القضايا، وكانوا يُحاسبون في حالة الفشل، لكن لم يكن لديهم في الحقيقة سلطة اتخاذ القرار أو إجراء تغييرات.

عندما أتينا إلى السلطة، قلنا أنه إذا كنا سنخضع للمساءلة، يجب أن تكون لدينا السلطة الكاملة لسن وتنفيذ السياسات، وإلا فليس من المعقول محاسبة القادة على فشل السياسات، وقد أُعيد إرساء هذا التوازن بين السلطة والمسؤولية والمساءلة، لكن ذلك لم يتحقق دون كفاح ونضال.

في العام 2003 أثناء الحرب العراقية، وفيما بعد حول مسألة قبرص، أو مرة أخرى في العام 2006، عندما كانت هناك مظاهرات مناهضة للحكومة قبل الانتخابات الرئاسية في العام 2007، واجهنا تحديات شديدة الصعوبة، تم اتهامنا عدة مرات بانتهاك المصلحة الوطنية، كانت “الوصاية على المصلحة الوطنية” هي المفهوم المستخدم لإضفاء الشرعية على تدخل الدولة التركية العميقة ودورها في حكم البلاد، حتى أنهم حاولوا حظر حزبنا في العام 2008، لم ترتح الأوليغارشية البيروقراطية لبعض سياساتنا، علاوة على ذلك، أدركوا أنه إذا ما أصبحت الإرادة الوطنية سائدة كما هي مجسدة في سياساتنا، فإن دورهم في نظامنا السياسي سيتراجع بشكل كبير.

ريتشارد فولك: ولكن كيف تم تحقيق هذه النتائج؟

أحمد داود أوغلو: يمكننا أن نشير إلى ثلاث  قصص نجاح، يمكن اعتبارهاكأدوات سياسية موثوقة.

  1. الأول هو الدمقرطة (الانتقال إلى الديمقراطية) الكاملة، على سبيل المثال، تم شغل منصب الأمين العام لمجلس الأمن القومي من قبل مدني في العام 2004، قبل ذلك، كان المنصب دائماً ما يشغل من قبل ضابط عسكري كبير، والأمر مثله بالنسبة للاستخبارات، حيث أنشأنا آلية استخباراتية جديدة تقوم على رقابة مدنية على الاستخبارات فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وقد عزّز الالتزام بالدمقرطة (الانتقال إلى الديمقراطية) سياستنا، والتي بدورها كانت أكثر مصداقية، حيث فزنا بسلسلة من الانتخابات الوطنية،ولو لم نفز بهذه الانتخابات، لكانت هذه القوى البيروقراطية ستبذل قصارى جهدها لهزيمتنا في أنقرة.

لم يكن باستطاعتهم أن يهزمونا في أي مكان في تركيا، ولذا وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، قمنا بحشد الجماهير من المواطنين لدعم قيادتنا وما تتبناه من سياسات، كلما حدثت أزمة في سنواتنا الأولى في الحكومة، أصبح الدعم الشعبي مهماً، لقد كانت الدمقرطة (الانتقال إلى الديمقراطية) أداتنا الأساسية الأولى.

2. الأداة الثانية هي سجل نجاحنا الاقتصادي، بمجرد أن قمنا بتحسين الظروف المعيشية للعديد من المواطنين، لم يرغبوا في المخاطرة بهذه المكاسب في حال حدوث انقلاب عسكري  يؤدي بشكل مؤكدلزعزعةاستقرار الاقتصاد.

 في السابق، كان هناك دائماً ارتباط في تركيا بين بداية أزمة اقتصادية وحدوث انقلاب عسكري. بعد عامين من الأزمة الاقتصاديةفي  العامين 1957-1958، وصل الجيش إلى السلطة. في الأعوام 1977و1978و 79 19، حدثت مرة أخرى أزمة اقتصادية عميقة، ومرة أخرى وصل الجيش إلى السلطة.بهدف تأمين القدرة على إدارة البلاد، كان على الجيش قبول الظروف الخارجية المؤلمة في الثمانينيات، تلك التي فرضتها الإدارات الأمريكية، أو صندوق النقد الدولي، مرة أخرى، أدت حادثة 28 فبراير 1997 (الصدام بين الجيش والقيادة السياسية أدى إلى  ما  وصفوه”الانقلاب ما بعد الحداثي”،والذي أطاح فيه الجيش بحكومة ائتلافية ذات توجه إسلامي بقيادة نجم الدين أربكان )، أدت تلك الحادثة إلى أزمة اقتصادية، تلاها حدوث انقلاب عسكري بشكل مباشر.

على مدار 13 عامًا من إدارتنا، تضاعف دخل الفرد في تركيا أربع مرات تقريبًا، من 3000 دولار إلى ما يقرب من 11500 دولار. على النقيض من ذلك، خلال التسعينات، كان الاقتصاد العالمي ينمو بالتوازي مع التحولات العالمية نحو الديمقراطية، لكن دخل الفرد لدينا نما بشكل طفيف، حيث ارتفع بالكاد من 2700 دولار إلى 3000 دولار في الفترة من 1991 إلى2001. بينما وخلال سنواتنا في الحكم، كان الاقتصاد العالمي في تراجع، وعلى الرغم من الركود الاقتصادي العالمي الخطير، فقد زاد دخل الفرد لدينا في الواقع بشكل كبير.

كان هذا ممكناً لأن حكومتنا تبنت ونفذت استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد، وكانت فعالة ومثمرة في استخدامها للموارد الوطنيةوفي تعبئة الإمكانات الاقتصادية للأناضول، ونتيجة لذلك، نمت بعض المدن في أنحاء البلاد بطريقة مذهلة، بالتالي، كان الأداء الاقتصادي الأداة الثانية المستخدمة لتحقيق تمدين الممارسة السياسية، ولو لم تكن هناك تحسينات في حياة مواطنينا على المستوى الفردي، لكان النجاح صعباً علينا للغاية.

3. تتعلق الأداة الثالثة التي اعتمدنا عليها بالوضع الدولي لتركيا ومصداقيتها الشاملة في الساحة الدولية، بالنسبة للشعب التركي، كما هو الحال بالنسبة للعديد من الدول الأخرى، ترتبط النجاحات الدولية بشكل مهم بشعور بالفخر والسعادة الوطنية.حيث أصبحت السياسة الخارجية النشطة لتركيا قصة نجاح ليس فقط للدولة، بل حتى للمواطنين الأتراك على المستوى الفردي. لقد زادت الثقة الوطنية بالنفس، وفي العام 2001،حاول العديد من الأتراك الهروب من الأزمات الاقتصادية في تركيا، حيث فقدوا الثقة في النظام، أما الآن،فالعكسهو الصحيح، حيث يسعى الأتراك وغيرهم للعيش في البلاد، الآن، يحاول كبار السياسيين ورجال الأعمال والمثقفين في جميع أنحاء العالم العربي الحصول على الجنسية التركية. وقد زادت هذه الثقة بالنفس من دعمنا السياسي في الداخل والخارج.

تلك إذاً هي أدوات السياسة التي تشرح قدرتنا على تغيير الدولة: الدمقرطة (التحول نحو الديمقراطية)، والنجاح الاقتصادي، والسياسة الخارجية النشطة وتعزيز المكانة الدولية، ساهم كل ذلك في زيادة رصيدنا ودعمنا الشعبي بشكل مطرد، بمجرد حصولك على دعم شعبي في كل مكانفي تركيا، تصبح قوياً في أنقرة، وعندما تبدأ بفقدان هذا الدعم، تتوقف البيروقراطية في أنقرة عن الاستماع إليك وتبدأ المشاكل.

في العام 2007، بعد ظهور محاولة انقلاب “المذكرة الإلكترونية”[1]، لم يستطع الناس لمدة ثلاثة أشهر معرفة فيما إذا كان بإمكان حزب العدالة والتنمية الاستمرار في الحكم أم لا، حيث توقف كل شيء. من كانون الثاني إلى آذار من هذا العام، بعد الحوادث التي قامت بها مجموعة غولن، كانت هناك حلقة مماثلة من الشلل. أدى ذلك إلى قلق البيروقراطية مما سيحدث بعد ذلك؟، الآن يعرفون: بعد نجاحين رئيسيين لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية والرئاسية، فإن الوضع مستقر. حالياً ينصت الجميع داخل وخارج الحكومة، فالجميع يريد علاقات جيدة مع السياسيين مرة أخرى.

ريتشارد فولك:هل يمكنك التوسع في اعتقادك بأن القضاء على الدولة العميقة التركية أمر لا رجعة فيه؟

أحمد داود أوغلو: هل هو لا رجعة فيه؟، عندما يكون البلد أقل تطوراً من الناحية الاقتصادية، يمكن أن تصبح مثل هذه التطورات قابلة للعودة بسهولة لسابق عهدها. لكن من الصعب إلى حد بعيد هندسة انقلاب عسكري إذا ما تجاوز نصيب الفرد من الدخل 10 آلاف دولار، حيث يريد الناس التمسك بهذا النجاح الاقتصادي. إلى جانب ذلك، ظهر جيل جديد في تركيا، أولئك الذين كانوا في الخامسة من العمر فقط عندما وصلنا إلى السلطة في العام 2002 يبلغون الآن 18 عاماً… في تركيا، إنهم الجيل الجديد، ولم يعرفوا سوى القليل عن مشاكل الماضي. إنهم يعرفون فقط فترة النجاح هذه.

الآن إذا فشلت فترة من الحكم السياسي أو العسكري فيالاستجابة لتوقعاتهم، فلن يتمكن أحد من إرضاء هذا الجيل. الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي الحفاظ على نفس المستوى من الإنجاز الاقتصادي لمواصلة توليد قصص النجاح. لا أتذكر دولة واحدة عانت من انقلاب عسكري عندما كان دخل الفرد فيها أكثر من 10000 دولار أو 15000 دولار، من الصعب على قيادة عسكرية صناعة نوعمن قصص النجاح التي ترضي الطبقة الوسطى، في بلد يوجد فيه دخل يتراوح بين 2000 و3000 دولار للفرد، قد يرحب الناس بانقلاب يعتقدون فيه أن المستقبل قد يكون أفضل،لكنذلك ليس ما هو عليه الوضع حالياً في تركيا.

كما أننا قمنا بسن العديد من الإصلاحات مما يعني بأن عملية التحول الديمقراطي (الدمقرطة) في تركيا لا رجعة فيها، على سبيل المثال، أصبح من الصعوبة بمكان الآن حظر حزب سياسي في تركيا، على عكس الماضي. في الواقع، حاولنا جعله مستحيلاً، لكن الأطراف الأخرى فضلت عدم دعمنا في استفتاء العام 2010، لكن الأمر صعب للغاية، في هذا الوقت لا يمكن حظر حزب سياسي إلا إذا قرر البرلمان ذلك، والجمعية الوطنية الكبرى ليست مستعدة لتحمل التداعيات، بالنظر إلى الحقائق السياسية الأوسع.

وفي هذا الصدد، فإن مقارنة الانتخابات الرئاسية في العامين 2007 و 2014 مشجعة، خلال فترة انتخابات العام 2007، أدلى الجيش بالعديد من البيانات المتعلقة بسياسة التعليم ومؤهلات الرئاسة. كانت الشخصيات البارزة من ضباط الجيش تقول: “هذا النوع من الرؤساء لا نريده”، على النقيض من ذلك، التزموا خلال الانتخابات الرئاسية هذا العام بالصمت. الجيش الآن في تركيا هو مؤسسة مهنية بحتة ووفية للتقاليد والقوى الديمقراطية، إنهم يعرفون جيداً أنه إذا كان هناك نجاح اقتصادي في البلاد، فسيكون الجيش قوياً أيضاً، ولا يمكن لأحد أن يضمن استمرار هذا النجاح إذا وصلت إدارة أخرى، عسكرية أو غير عسكرية، إلى السلطة بشكل مفاجئ.

حتى في الديمقراطيات الأوروبية لا ترى قصة نجاح مثل تلك التي حظينا بها خلال السنوات الاثني عشر الماضية: لقد فزنا ثلاث مرات فيالانتخابات العامة، ومرتين في الانتخابات المحلية، وفزنا في عمليتي استفتاء، ومرة في الانتخابات الرئاسية. خلال 12 سنة، فزنا في كل الانتخابات بقارق أصوات متزايد، حيث بدأنا بنسبة 36٪ من الأصوات الشعبية، وحصلنا على 52٪ في الانتخابات الرئاسية على الرغم من مشاركة 13 حزباً معارضاً، لذا نعتقد بأن التحول إلى الديمقراطية أصبح أمرا لا رجعة فيه.

ريتشارد فولك: هل يتقبل الجيل الجديد من الضباط العسكريين الطبيعة الديمقراطية للدولة التركية؟

أحمد داود أوغلو: نعم، بالتأكيد، لقد اتخذنا خطوات لتحقيق ذلك، كان المفتاح في ذلك، القيام بثورة في صناعة الدفاع، قبل ذلك، كان يجب شراء كل شيء من الخارج، بما في ذلك الأنظمة التسليحية الأقل تطوراً، الدبابات والطائرات والسفن الحربية،وحتى أبسط الأسلحة، ولكننا الآن نبني سفننا الحربية الخاصة، ونطور قدراتنا الوطنية للقيام بذلك، وهذا يعطي ضمانات للمؤسسة العسكرية بأنها ستصبح أقوى عندما تصبح البلاد أكثر اعتماداً على الذات بالتوازي مع النجاح الاقتصادي للبلاد، بالإضافة إلى تعزيز المكانة الدولية لتركيا.

ريتشارد فولك: يقودنا هذا إلى الحديث عن “الدولة الموازية”، وكيف يختلف هذا التحدي عن ذلك الذي فرضته الدولة العميقة. ( كان أحمد داوود أوغلو قد ألقى باللوم على “دولة موازية” في فضيحة الفساد الحكومي في العام 2013، وهو تحقيق جنائي مستمر يشمل العديد من الشخصيات البارزة في الحكومة التركية، معظمهم من أعضاء حزب العدالة والتنمية.” الدولة الموازية” تم تشكيلها من أنصار فتح الله غولن، من الذين استطاعوا شغل مناصب  بيروقراطية وقضائية بارزة، كرئيس للوزراء، تعهد أوغلو بتفكيك حركة غولن، والتي يقودها الإمام السابق والشخصية الإسلامية الشهيرة، الذي يعيش حالياً في منفى اختاره بنفسه في الولايات المتحدة)، هل يمكنك أن تقول بهذا الشأن، أن القلق من مخاطر “الدولة الموازية” أصبح مجرد ذكريات سيئة لتركيا، وليس مما يقلق في الوقت الحالي؟

أحمد داود أوغلو:

لا، لم يتم حل المشكلة بالكامل، لا تزال حركة غولن تحاول إفساد الأمور هنا من خلال التدخل في عملية الحكم.

التمييز بين الدولة العميقة والدولة الموازية أمر أساسي،”نظام الوصاية” هو أفضل مصطلح لوصف المبرر الذي تستند إليه الحالتين، في حالة الدولة العميقة، اعتقدت النخبة البيروقراطية أنه من الأرجح أن يرتكب السياسيون المدنيون أخطاء، وأنهم قد لا يعرفون دائماً ما هو الجيد للبلاد، وبالتالي كانت هناك حاجة إلى إشراف بيروقراطي أو وصاية.

سعى مهندسو الدولة الموازية التي تم تسليط الضوء عليها مؤخراً أيضًا إلى إنشاء نظام الوصاية، من خلال تسريب الموالين لجولن  في مواقع النفوذ في البيروقراطية الحكومية،لقد نظموا كوادر بيروقراطية لاختراق النظام، حيث قاموا برعاية تعليمهم، وزرعهم في أجهزة الشرطة، والنظام القضائي، مع وضع خطط مسبقة، وسرعان ما أصبحت هذه مشكلة كبيرة: لم تعد البيروقراطية في ظل هذه الظروف تعمل كأداة مهنية مكرسة لتنفيذ سياسة الحكومة أو كمؤسسة تعبر عن إرادة الدولة كما تتجلى من خلال نتائج الانتخابات الحرة، بل هي عملية تسلل إلى النظام السياسي من قبل مجموعة دينية أو علمانية غير خاضعة للمساءلة، الطابع المحدد لهذه المجموعة ليس مهماً، ما أصبح مهماً هو أنها كانت مجموعة سعت لتحقيق أهدافها الخاصة دون أي مراقبة سياسية.

في الدولة العميقة كان هناك مجال سياسي بدون مراقبة سياسية. في حالة الدولة الموازية، أرادوا السيطرة على السياسة ككل من خلال الأجهزة البيروقراطية.  فبدلاً من إنشاء حزب سياسي أو الذهاب إلى الشعب وطلب تصويتهم من أجل إدارة البلاد، حاولوا ممارسة السيطرة على جميع المؤسسات الأساسية للدولة، وتحول ولاء المسؤولين والبيروقراطيين لأشخاص خارج سلطة الحكومة بدلاً من أن يكونوا موالين لرؤسائهم.

إذا تلقى قائد الشرطة أوامره من مثل تلك المجموعة، يمكنك التأكد من أن خروج الشرطة وقوات الأمن خارجة عن السيطرة، إذا امتثل القاضي أو المدعي العام لتعليمات شخص غير خاضع للمساءلة عن القرارات المتخذة، فإن هذه المؤسسات لا يمكنها العمل بصورة صحيحة، ينطبق هذا المنطق نفسه على الدبلوماسي أو على الضابط العسكري، وكل الأجهزة والمؤسسات، لقد ظهرت هذه المجموعة في هذا البلد وسعت لممارسة نفوذها.

هذه ليست قضية فساد، لو كانت قضية فساد بحتة، لكانت الحكومة قد تصرفت بطريقة حازمة للغاية لحل الوضع بما يتوافق مع سيادة القانون. لقد تم الكشف عن الإجراءات المسيئة التي قام الكيان الموازي فيما يتعلق بالتنصت، لقد تمّ التنصت على المحادثات الهاتفية الشخصية لآلاف من رجال الأعمال والسياسيين الأتراك الذين تعرضوا لتدخلات تعسفية في خصوصياتهم، وتم استخدام المعلومات لممارسة الضغط عليهم، بل وحتى ابتزازهم في بعض الحالات، بهدف السيطرة على نظام الحكم.

مثل هذا السلوك يقوّض بيروقراطية ماكس فيبر العقلانية. يجب أن يكون البيروقراطيون موالين للدولة حتى تعمل بشكل صحيح، يجب أن يتصرفوا كأفراد، يجب ألا يعملوا لحساب مجموعة خارجية دون خضوع للمساءلة، يجب أن يكون كل بيروقراطي مخلصاً للدولة.

وماذا عن شرعية استخدام سلطة الدولة في الديمقراطية؟ يتم بناء الشرعية من خلال الانتخابات، يستمد القادة قوتهم من الناس، وسيسألك الناس عن نواياك أثناء وجودك في السلطة، ستكون مسؤولاً عن جميع الأفعال التي يتم القيام بها.

أدركنا أن هذه الدولة الموازية كانت تركز بشكل خاص على السيطرة على فروع معينة في كل وزارة. كان أحد أهدافهم السيطرة على الموظفين، وقسم الموارد البشرية، كوسيلة للسيطرة على المفاصل الحكومية، الهدف الثاني كان تكنولوجيا الاتصالات أو تكنولوجيا المعلومات، كانوا يحصلون على جميع المعلومات، بما في ذلك كلمات المرور،ومن وقت لآخر كانوا يجلبون وثائق معينة إلى السلطات السياسية، بهدف إقناعهم بالتصرف ضد مسؤول آخر، بهدف إزالته / إزالتها واستبداله/ استبدالها بالموالين لهم.

فيما يخص المجتمع المدني، قاموا بالتركيز على التعليم، كان هذا نشاطاً يهم المصلحة العامة الشأن العام. لقد قدمنا الدعم لمدارسهم في تركيا وخارجها. ثم بدأنا بإدراك التطورات غير المرضية إلى حد ما. في 7 شباط 2012، اتخذوا خطوة ضد مدير الاستخبارات، وحاولوا تحديه في إطار قضائي، وبحسب إجراءاتنا، فإن هذا المسؤول، حقان فيدان، هو المسؤول مباشرة وفقط أمام رئيس الوزراء، لقد نبهتنا هذه الخطوة إلى أجندة جماعية معادية لنا ولإدارة العدالة المناسبة في دولة ديمقراطية. لقد اتضح أنّ جهاز الاستخبارات لدينا هو المؤسسة الحكومية الوحيدة التي لم يتمكنوا من التسلل إليها، ولذلك حاولوا تحقيق أهدافهم بوسائل أخرى، من خلال استخدام أجزاء أخرى من الحكومة تحت سيطرتهم لمهاجمة جهاز إدارة الاستخبارات، لقد أرادوا تسريب شخص من مجموعتهم في أعلى منصب استخباري.

أعتقد أن الفرق بين الدولة العميقة والدولة الموازية واضح. يعتقد عملاء الدولة العميقة بأنهم هم فقط من يمتلك القرار الأخير فيما يتعلق بما هو الأفضل لمستقبل الدولة، باعتبار أنهم هم من أسسوها، فالدولة ملك لهم. لكن الجهات التي تشكل كياناً موازياً تريد ممارسة السيطرة على الدولة القائمة. إنهم يسعون للسيطرة على هذه الدولة من خلال الاستعانة بقنوات موازية لتلك التي تعتمد عليها البيروقراطية التقليدية. لقد قاتلنا في سنواتنا الأولى ضد تلك الدولة العميقة، وقلنا أن الدولة ليست ملكاً لكم أو لأي أحد غير الشعب، الدولة ملك للأمة، وأياً كان اختيار الأمة لقيادتها، فإنهم سيحكمون البلاد. الأساس المعتمد عليه لأي سلطة شرعية هو الفوز في الانتخابات.

ريتشارد فولك: نظرًا للجدول الزمني المزدحم الذي عملت بناء عليه في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، أعتقد أنه كان لديك فرصة للكتابة عن آرائك حول هذا (في “الأبعاد الفلسفية والمؤسسية للعلمنة: تحليل مقارن”، عزام تميمي وجون ل. إسبوزيتو، الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط، لندن، 2000Hurst  & Company).

أحمد داود أوغلو:

لقد قلت فيه أنّ ما لم نكن بحاجة إليه هو عملية علمنة شبيهة بما حدث في الغرب، في الغرب، كان المصدر المعرفي للعلمنة هو البابا لقرون دون أن يتحمل مسؤولية شخصية، فكل ما يقوله معصوم عن الخطأ، وذلك على النقيض من عقيدة الإسلام السني، حيث لا يملك أحد بعد النبي (محمد صلى الله عليه وسلم) القدرة على المعرفة الغيبية العليا، أما في عقيدة المذهب الشيعي، يُفترض أن الإمام يمتلك معلومات غيبية، وتم نقل سلطة الإمام من الأب إلى الابن حتى الإمام الثاني عشر، ويعتبر آية الله الخميني هو  صاحب الولاية في الأرض، ولذلك لا يمكنك تحديه.

وبشكل مشابه، في هذه الحالة، يعتقد العديد من أتباع فتح الله غولن أنه معصوم لا يمكن أن يرتكب أخطاء عملياً، وأنه يمتلك معرفة كاملة، على النقيض من ذلك، يمكن للسياسيين ارتكاب الأخطاء، فالسياسة حقل معرفي من أفضل ما يمكن استيعابه بشكل عقلاني، فهذه هي الديمقراطية.

من سيحكم على أخطاء السياسيين؟ إنه الشعب، وليس العسكر، ولا جماعة دينية أيضاً، ستذهب إلى الناس وهم سيقررون فيما إذا كنت قد اتخذت مسلكاً خاطئاً أم لا. إذا كانت هناك قضية قضائية محقة ضدنا فنحن بالطبع يمكن أن نخضع للمحاسبة. لكن مثل هذه القضايا القضائية يجب أن تثبت في الواقع، ولا يجب استخدامها للأغراض السياسية المتمثلة في القضاء على حزب سياسي أو مجموعة من الناس فقط بسبب آرائهم السياسية.

لذلك نحن مستعدون للخضوع للمساءلة، والسياسة يجب أن تعكس العقلانية، هذا هو الفرق الأساسي بين نظامي المعتقدات لدينا، أعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي أقوم فيها بإجراء مثل هذا التحليل الممنهج للتوتر الأساسي، والذي يساعد على تفسير سبب عدم قدرتنا كقادة سياسيين قبول على العيش مع هذه الدولة الموازية.


[1]حدث ذلك عندما قام بيوك انيت رئيس الأركان التركي الأسبق بتهديد حكومة العدالة والتنمية برئاسة رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان، بالقيام بانقلاب عُرف إعلامياً باسم “المذكرة الإلكترونية” في 27 أبريل/ نيسان عام 2007، وجاء التهديد بالانقلاب على خلفية أزمة في البرلمان التركي افتعلها حزب الشعب الجمهوري المعارض لعرقلة انتخاب عبد الله غُل مرشح “العدالة والتنمية” رئيساً للجمهورية من قبل البرلمان، يُنظر: وفاة رئيس الأركان التركي الأسبق بويوك انيت منفذ محاولة انقلاب “المذكرة الإلكترونية – صحيفة DAILY SABAH.

شارك في النقاش

تابعنا