25 أكتوبر، 2020
تحقيق السيادة المدنية على المؤسسة العسكرية: دروس من أمريكا اللاتينية

تحقيق السيادة المدنية على المؤسسة العسكرية: دروس من أمريكا اللاتينية

تخبرنا أدبيات التحول الديمقراطي أن طبيعة التفاعل بين النخبتين المدنية والعسكرية تمثل واحدًا من أهم العوامل المحددة لمآل التجربة الديمقراطية، ومع التسليم بأن خبرة أمريكا اللاتينية تقدم صورة شديدة التباين فيما يتعلق بطبيعة العلاقات المدنية العسكرية، وأن بعضها ما يزال يشهد تقييد واضح لإمكانية ممارسة السيادة المدنية على الجيش، إلا أن بعض الدول كشيلي والأرجنتين وأورجواي أفلحت في إحراز تقدم ملموس في مجال تدعيم السيادة المدنية على الجيش.

وتدلل تجارب تلك الدول على أن الترتيبات الدستورية والمؤسسية السائدة عند بدء عملية التحول الديمقراطي لا تغلق الباب أمام فرص المناورة السياسية من جانب النخب المدنية، كما أن الشروط المؤسسة لعملية التحول الديمقراطي لا تلغي قدرة الساسة المنتخبين على الاستفادة من البدائل المتاحة لهم لتعظيم نفوذهم فيما يخص السياسات التي تؤثر على الجيش وحشد التأييد الشعبي لها، الأمر الذي يثير التساؤل حول الدروس المستفادة من تلك التجارب بالنسبة لدول الربيع العربي، ومن بينها مصر، لا سيما أن الجيش شارك في أمريكا اللاتينية في الحكم لفترات طويلة، حيث لعبت النخب العسكرية دورًا سياسيًّا أيضًا.

ولعل في مقدمة الدروس المستفادة من واقع تجربة أمريكا اللاتينية تجنب التغيير المفاجئ وأسلوب الصدمات، فعملية تدعيم السيادة المدنية على الجيش عملية صعبة ويستغرق إتمامها وقتًا طويلًا، والتحول إلى السيادة المدنية ينبغي أن يكون تدريجيًّا بما يقلل من احتمالات حدوث مواجهات مع المؤسسة العسكرية خصوصًا إذا كانت قد اعتادت أن تكون اللاعب الأهم في الحياة السياسية لفترة طويلة، وعملية ترسيخ الديمقراطية عملية معقدة وديناميكية بمعنى أن عناصرها لا تعمل منفردة عن بعضها البعض، ومن غير المنطقي أن تطالب المؤسسة العسكرية في اللحظة الآنية وعلى الفور بأن تفتح جميع ملفاتها فيما يخص امتيازاتها ومهماتها وطرق تدريبها.

ثاني هذه الدروس هو أهمية الإطار الدستوري الضامن للديمقراطية، حيث ينبغي أن تتم صياغة الدستور بشكل يحول دون مشاركة المؤسسة العسكرية في الشئون السياسية، لأن أحد ميكانيزمات تعطيل أي تغيير إيجابي في طبيعة العلاقات المدنية العسكرية هو جعل المؤسسة العسكرية نفسها محددًا لمعيار الشرعية الدستورية، أي تبرير الدور السياسي للجيش ووضعه كحكم فوق السلطات الثلاث.

درس آخر على جانب كبير من الأهمية يتعلق بالعمل على توسيع قاعدة المؤيدين للديمقراطية، من خلال بلورة إجماع عام بشأنها واتفاق القوى المدنية على رفض تدخل العسكريين في الحياة السياسية، لأن هذا التدخل يصبح صعب المنال دون توفير دعم من بعض تلك النخب، وتدلل تجربة دول مثل شيلي على محورية الأداء الاقتصادي المنضبط في تحقيق الرضاء الشعبي عن الحكم الديمقراطي وإسقاط رهان البعض على البديل السلطوي، وفي هذا السياق مثلت السياسات الاقتصادية الناجحة لائتلاف وسط اليسار التي ركزت على البعد الاجتماعي في عملية الإصلاح الاقتصادي محفزًا لدى الغالبية العظمى من الشيليين للاصطفاف وراء الحكم الديمقراطي، الأمر الذي أقنع النخبة العسكرية بعدم جدوى اللجوء إلى وسائل استعراض القوة في مواجهة الحكومة المدنية.

أما بالنسبة للترتيبات المؤسسية فتتمثل بالأساس في إنشاء هيئات مدنية تمتلك الخبرة الكافية لمراقبة أنشطة المؤسسة العسكرية، وواحدة من أهم الإجراءات في هذا الصدد هو تعيين وزير مدني للدفاع يكون مسئولًا أمام البرلمان، بالإضافة لتكوين فريق من الخبراء المدنيين يكونون على دراية كافية بالأمور الدفاعية، وفي داخل البرلمان ينبغي أن توجد لجنة من الأعضاء المنتخبين لها سلطات حقيقية في مجال مراقبة أنشطة وزارة الدفاع، وأن تدعم هذه اللجنة من جانب خبراء متخصصين في الشئون العسكرية، وبدون تلك اللجنة الدائمة سيصبح من الصعب للغاية بناء خبرة تراكمية في مجال الرقابة على المؤسسة العسكرية بسبب تداول السلطة بين الأحزاب المختلفة في البرلمان.

وبالإضافة لذلك ثمة حاجة ماسة لتقوية قوات الشرطة وتقليص دور الجيش في حفظ الأمن الداخلي، وتتطلب تلك المهمة الكثير من الوقت بسبب الإنهاك البالغ الذي قد تعاني منه نتيجة تركيزها جل مهامها لفترة طويلة على تأمين النظام بدلًا من المواطن.

ومن الأمور الضرورية لبعث رسائل طمأنة للجيش ضمان قدر كافٍ من الإنفاق العسكري، لأن توفير حد معقول من مستوى المعيشة لأفراد القوات المسلحة من شأنه أن يخفف من مخاوفهم أن يصبحوا أحد ضحايا التحول الديمقراطي، كما أن زيادة الإنفاق على التسليح والتدريب يدعم من احترافية المؤسسة العسكرية ويشجعها على التركيز على المهمة الرئيسية لها وهي التصدي للأخطار الخارجية.

وعلاوةً على ذلك ينبغي الحفاظ على قدر معقول من الاستقلال الداخلي للمؤسسة العسكرية، فتدعيم السيادة المدنية ينبغي ألا ينال من تماسكها أو الاحتفاظ لها بقدر معقول من الاستقلال الداخلي حتى لا ينال ذلك من احترافيتها، فالجيش كأداة لصون السيادة الوطنية له بنية وثقافة داخلية تختلف عن المجتمع، وينبغي أن تقتصر الرقابة السياسية على التعيينات والترقيات على المناصب العليا وتكون على أساس الكفاءة والاحترافية، لكن ينبغي أن تحجم القيادة السياسية والبرلمان عن التدخل في باقي التعيينات لتجنب تسييسها.

الأمر الأخير المستفاد من تجربة أمريكا اللاتينية هو إنهاء حصانة العسكريين المتهمين بارتكاب جرائم حقوق الإنسان أمام القضاء المدني، ولأن القضاء العسكري يفتقر للشفافية الكافية ويكتفي عادًة بعقوبات إدارية أقصاها الفصل، فإن الحاجة تصبح ملحة لنظر كل الجرائم التي ارتكبها أفراد القوات المسلحة أمام القضاء العادي، فالنظام الديمقراطي ينبغي أن يعامل فيه كل الأشخاص على قدم المساواة، ولا يستثنى من ذلك سوى المشاكل الداخلية للجيش المرتبطة بالانضباط العسكري.

في هذا السياق تبدو فرص إصلاح العلاقات المدنية العسكرية مرهونة بمدى قوة النخب المدنية الساعية لتقليص نفوذ المؤسسة العسكرية واستعدادها لتقديم أجندة موحدة فيما يخص عملية صياغة الدستور، وكذلك مستوى الأداء الاقتصادي للحكومات المدنية التي ستعقب اختيار رئيس الدولة، بالإضافة لحالة حقوق الإنسان والأمن الداخلي، وحجم التعبئة الشعبية المناهض لاستمرار هيمنة العسكريين على الحياة السياسية، وكذلك مسار التحول الديمقراطي، وكلها عوامل تسهم في تحديد هيكل الفرص السياسية المتاح للنخبة المدنية الحاكمة في التعامل مع الوضع الحالي المهيمن للمؤسسة العسكرية.

https://www.sasapost.com/opinion/lessons-from-latin-america/

شارك في النقاش

تابعنا