16 سبتمبر، 2021
نصوص مبهمة وغامضة تقيّد حُرية التعبير وتُحكم القبضة الأمنيّة للنظام | نبيلة

نصوص مبهمة وغامضة تقيّد حُرية التعبير وتُحكم القبضة الأمنيّة للنظام | نبيلة

مشروع تعديل قانون العقوبات الجديد

أثار مشروع تعديل قانون العقوبات الجديد الذي أقره النظام اللاشرعي بالجزائر يوم الأحد 19 أفريل 2020 الكثير من الجدل والاستنكار لنصوصه التي وصفها المراقبون أنها “غير واضحة”. كما انتقد العديد من الحقوقيين والقانونيين اختيار انظام لمثل هذه الظروف الحرجة من الحجر الصحي الذي تعيشه البلاد وأغلب دول العالم بسبب جائحة الكورونا، مما يمنع من عقد مُلتقيات ومنتديات لمختصين وخبراء لإعطاء رأيهم ومناقشة مدى نجاعة هذه القوانين والقابلية لتطبيقها فيما يخدم مصلحة المواطنين. أما الحكومة فقد وصفت مشروع قانون العقوبات الجديد على أنه خطوة مهمة في القضاء على ترِكة نظام بوتفليقة. وأن ذلك سيضع حدا للُبس بين الحرية والفوضى! لتتم المصادقة على القانون بالأغلبية من طرف برلمان بوتفليقة نفسه، بتاريخ 22 أفريل 2020.

من بين المواد التي شملها هذا القانون نبذ خطاب الكراهية والتمييز العنصري، المساس بأمن الدولة والوحدة الوطنية والمساس بالنظام والأمن العموميين. في الوهلة الأولى سيتبادر إلى ذهنك أن هذه القوانين إيجابية وتهدف إلى حماية المواطنين ومؤسسات الدولة. إلا أن الحقيقة عكس ذلك؛ فقد أتت هذه القوانين في نصوص مبهمة وغامضة يمكن تفسيرها وتوظيفها حسب أهواء القضاة والأجهزة الأمنية نظرا لغياب عناصر وصور حقيقية وثابتة لهذه النصوص. وهذا ما أكّده المحامي عبد الغاني بادي الذي صرّح أن كل جزئية من هذه النصوص بحاجة إلى تحديد صورها وأوجهها وحالات وطريقة حدوث هذا الفعل. فعندما تقول المساس بأمن الدولة واستقرار مؤسساتها دون تحديد صورة واضحة عن هذا المساس فذلك يعني أنك عندما تقول مثلا “البرلمان غير شرعي” فبالتالي تكون قد مسست بمؤسسات الدولة! في حين أن هذا القانون مرّ ببرلمان غير شرعي وهو برلمان بوتفليقة! ويمكن إرجاع ذلك إلى أن النظام الجزائري يتعمد إبقاء هذه النصوص مبهمة ويزيدها غموضا ولبسا ليفسرها كما يشاء خاصة فيما يتعلق بالمساس بالوحدة الوطنية ومؤسسات الدولة. مرد ذلك إلى أن الأجهزة الأمنية تعتبر من يحمل شعارات أو ينشر منشورات يعبر فيها عن رأيه أو يطالب فيها بحقوقه فهو يمس بالوحدة الوطنية! وهنا تُطرح العديد من التساؤلات: كيف نُحدد المساس بمؤسسات الدولة؟ من يقدر ما هي المصالح الأساسية للدولة ومؤسساتها؟ ما هو التعريف الحقيقي للوحدة الوطنية والأفعال التي تمس بها وبأمن الدولة ومؤسساتها؟ 

من جهة أخرى، أكد رئيس نادي قضاة الجزائر سعد الدين مرزوق أن هذا القانون يحمل في طياته مخاطر مهددة لحرية التعبير ويكرس ثقافة إحكام القبضة الأمنية في المجتمع. وتبني أسلوب الردع القضائي بمواد مرنة ومطاطة التفسير في مسائل تتعلق بحرية التعبير والحق في النقد والاختلاف المعقول، وهي بذلك تهدد الأمن القانوني للمواطن. وتجعل من السلطة القضائية خاضعة لتقديرات الأجهزة الأمنية. 

وبالعودة إلى الأمان القانوني فهو يعتبر شرطا ضروريا لبناء الدول الديمقراطية وصمام الأمان لحماية حقوق المواطنين. وهو الذي يضمن استقلالية القضاء الذي يعتبر بدوره ضرورة لاستقرار الدولة. فالمواطن الجزائري اليوم بحاجة إلى أمان قانوني يحمي مصالحه ويحفظ حقوقه خاصة أمام حملة الاعتقالات العشوائية الشرسة التي تطال العديد من مناضلي الحراك؛ بسبب منشورات على الفيسبوك تعبر عن آرائهم أو مجرد طرح أسئلة للنظام عن الوعود التي قدمها للشعب أو فيديوهات لمواطنين يفضحون الفساد. فقد أصبحت تُهم المساس بالوحدة الوطنية والتحريض على التجمهر وإهانة هيئات نظامية شائعة بكثرة وتُكيف من طرف الأجهزة الأمنية حسب أهوائهم دون صور واضحة لها. وهذا ما يكرس القبضة الأمنية على حرية الرأي والتعبير وقمع وإخراس أي صوت ينتقد سياسات النظام العمومية، فما بالك بمن ينادي بالتغيير الجذري للنظام وإرساء دولة القانون والحريات الديمقراطية. 

شارك في النقاش

تابعنا