21 أكتوبر، 2021
مخابرات إرهابية و مطالب سياسية

مخابرات إرهابية و مطالب سياسية

إذا كان ثمّة من درسٍ يُستخلص من تصعيد الشعب الجزائري في حراك الجمعة السابعة بعد المئة، فهو رسالة فحواها أنّ هذا الشعب متّجه لاسترداد حرّيته في التعبير السياسي بأعلى ما هناك من معايير التعبير و الحرّية.


لقد انتشر في أوساطٍ حريصة من أبناء الشعب لمسة من المبالغة من التخوّف و التوجّس من مآل تطورّ الشعارات التي سمّت واستهدفت إدانة جرائم جهاز المخابرات، وذلك منذ بداية ظهورها بعودة الحراك بعد عام من التوقّف الإضطراري…لقد نُعت شعار “مخابرات إرهابية تسقط المافيا العسكرية” من بعض الجهات بأنّه شعارٌ عنيفٌُ أكثر منه شعارٌ مطلبي سياسي. فما مدى صحّة هذا الطرح على ضوء الراديكالية الشعبية في إطلاق وتبنّي الشعارات منذ مطلع الحراك.

لقد تفجّر شعار “مخابرات إرهابية تسقط المافية العسكرية” صرخة للتنديد باعتقال النّشطاء الحراكيين و معتقلي الرأي الذين تعرّضوا لإنتهاكات لم يكن لها أي داعٍ أو مُسوّغ أو تبرير… كالتوقيف و الإعتقال و السجن و الإستنطاق و التنكيل و التعذيب و الإهانة و الإغتصاب، مروراً بالتهديد و الإختطاف و التخويف.

كان الشعب يتابع شهادات الموقوفين بصبر وصمت..فقد تعذب الناشط إبراهيم داوجي و نشر شهادته المُريعة و بثّ لحظة اختطافه على مواقع التواصل الاجتماعي، وتواترت الأخبار بالإهانات والقهر الذي واجهه كريم طابو ولاقاه ابراهيم لعلامي وتوفيق حساني…وكثيرون غيرهم، حتّى فاضّ التنّور عندما طالبت النيابة بسجن وليد نقّيش بالمؤبّد بعد أن عرّى وحشية جهاز المخابرات الذي اعتدى عليه جنسياً أثناء فترة توقيفه واستنطاقه في الأقبية المظلمة.

جاء إذاً هذا الشعار بياناً مُختصراً قوياً…ينطق بما معناه أننا نطالب بحرّية الرأي و التعبير التي تسحقوننا من أجلها في غياهب الطوابق السُفلية في بنايات الأمن الداخلي و أقسام الشرطة.

ومعنى ذلك أيضاً أنّ حرّية الرأي و التعبير السياسي لا يمكن أن تنمو وتُزهر تحت سيطرة النظام العسكراتي، بل لابد أن تكون الدّولة ذات طابع مدني لكي تصون الحرّيات الفردية و الجماعية وترتقي بها تلك الحرّيات وفي مقدّمتها حرّية التعبير والإجتماع و النشاط السياسي. معنى ذلك أنّ شعار “مخابرات إرهابية تسقط المافية العسكرية”، هو شرح إضافي و تعبير أوسع عن الذي يعنيه الشعب بـ “ماشي عسكرية”.

هذا الشعار مثله مثل شعارات الحراك الذّكية يحمل طيّ كلماته القليلة عدّة أبعاد سياسية حتى وإن كان يكتسي طابعاً هجوميا على أجهزة المخابرات. فمن جهة لم يرَ الشعب من أجهزة المخابرات ما يسرّه على مدى ستون عاماً من الإستقلال…إلاّ أداة للقمع و الدسائس و المكر و المناورات و الصراع على السلطة باستخدام كل أساليب الإجرام و التقتيل و التعامل بالفساد و الإفساد، ومن جهة أخرى…فالشعب يقول له كفى لقد عرفنا عنكم كلّ شيء وأنتم هم العصابة الحقيقية. ومن جهة أخرى يُذكّرنا اللّغط الدائر حول الشعار الجديد بما دار حول أهّم شعار قرّر وجهة الحراك وهدفه النّهائي وهو “يتنحّاو ڤاع”؛ الذي انعقدت حول معناه الموائد المستديرة و الندوات و النقاشات لمحاولة كسره و إلغاءه…لكنّه ما يزال أدقّ تعبير عن ما نريده كشعب يعرف مراده.

لا ينبغي إذن أن نقع في المطبّ الذي وقع فيه المشككون في شعار يتنحّاو ڤاع، ولو دققنا سنجد أنّ ذلك الڤاع يجب أن يشمل مقاربة الفساد و الإفساد التي عشعشت في جهاز المخابرات منذ فجر الإستقلال إلى اليوم.

بما أنّ سلمية الحراك هي بندٌ بل رُكن من أركان الحراك لا يمكنه أن يكون إلاّ بها، فلا يجب أن نوافق الأراء التي تتحدث بخوف مبالغ فيه من هذا الشعار على أساس أنّه سقف الشعارات وليس له ما بعده إلاّ العُنف…بل بالعكس، سيتفتق الذهن الجمعي عن مُكمّل هذا الشعار الذي جاء ليهدم شق الرّعب و القتل و الإرهاب في هذه المؤسسة التي تحتاجها الدّولة الحديثة في خدمتها وخدمة الشعب، وسيمنح الحل اللاّزم لكيفية تحكّم الشعب فيها لتمارس دورها المنوط بها في حماية الشعب و البلاد في الأطر الدستورية و القانونية التي يُؤسس لها هو بحرّيته واختياراته.

في هذه اللحظة التي يزهو فيها الحراك بروح من الانتصار المعنوي على غطرسة جلاوزة المخابرات ومناوراتهم التي لا تنتهي، ستكون الشعار القادم للحراك مبنياً على الحل الذي يراه مناسباً مع إرهاب المخابرات وكيف يضع له حداً – بذكائه وسلميته – حداً سيكون حتماً بالمطالبة بطرح مسألة وضع هذه الأجهزة الأمنية و القوات المُسلّحة تحت سيطرة الشعب عبر مُنتخبيه، مُنتخبون يختارهم بكل شفافية وحرّية في إطار التّحوّل الديمقراطي الذي يبدو أقرب إلى التحقق بالنظر إلى الإرادة الصادقة لهذا الشعب و صبره وذكائه.

لم يُعد خافياً على الشعب السيطرة العسكرية على كل مظاهر الحياة في الجزائر وخصوصاً على القضاء و وسائل الإعلام، وتحوّلت أجهزة الشرطة و الإستخبارات إلى أدوات قمع يستخدمها النظام بدلاً من أن تكون هيئات خاضعة لسيادة القانون؛ هذه القبضة الحديدية لجهاز المخابرات آلت بالشعب و البلاد إلى دمار في كل المستويات والميادين؛ لقد قال الشعب الآنّ أنّه يفهم هذا جيّداً و أنّه ذاهب بالسلمية إلى استعادة السيطرة على كل هذه المؤسسات التي هي له وتستنزف ثرواته لقهره و الإمعان في تخلّفه و تعاسته.

إبن رُشد

شارك في النقاش

تابعنا