16 سبتمبر، 2021
حرب مواقع التواصل الاجتماعي بين الثورة والثورة المضادة | نبيلة

حرب مواقع التواصل الاجتماعي بين الثورة والثورة المضادة | نبيلة

تجاذباتٌ وصراعاتٌ رقمية لتوجيه الرأي العام أو لإسقاط النظام

 تُعتبر مواقع التواصل الاجتماعي منبراً للثورات الشعبية التحررية وعلى رأسها “الفيسبوك” و”التوتير”، إذ برز دورها في اندلاع ثورات واحتجاجات شعبية في عدَّة دُول عربيَّة للمُطابة بالإصلاح السياسيّ والقضاء على الفساد وإسقاط أنظمة الحُكم المستبدة. كما لعب الفيسبوك دوراً مُهماً في تشكيل الرأي العام وتحريك الشُّعوب، أين سمح للطاقات الشُبانيّة باستثمار قُدراتها والتنسيق فيما بينها لتحديد مواعيد الخُروج إلى الشارع ورسم المطالب الشعبية الحقيقية وكذا فضح مخططات الأنظمة الحاكمة ومحاولاتها لاختراق وشيطنة تلك الثورات. فبعد أن كانت المواجهة الإعلامية بين الأنظمة المستبدة والثورات الشعبية تدور رحاها بين الإعلام القديم والإعلام الرقمي الجديد المتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي، أدركت الحكومات أهمية هذه المواقع فراحت تحاول السيطرة عليها وتوجيه محتواها، عبر شراء أكبر الصفحات الفيسبوكية وغلق الصفحات المؤثرة والناشطة، وحتى اعتقال أو تهديد المشرفين عليها، وكذا خلق جيوش إلكترونية أو ما يسمى “بالذباب الإلكتروني”، الذي ينشر منشورات مُضللة وتعليقات تلعب على الوتر البسيكولوجي للمواطنين في محاولة إلى توجيههم وتسميم أفكارهم وإقناعهم بضرورة بقاء النظام الحاكم وتقديسه.

وهذا ما جعل وسائط التواصل الاجتماعي سلاحاً ذو حدين، وإعلاماً بديلاً يُزاحم الإعلام السمعي البصري والجرائد اليومية في نشر المعلومات والأخبار، حيث لعب الفيسبوك دوراً كبيراً في ثورات الربيع العربي، سواءً بتوعية الشعوب أو في نقل مُجريات الأحداث والأخبار الحقيقية، عكس الإعلام الحكومي الذي كان يعمل على تضليل الرأي العام وفق أجندات ومصالح الأنظمة الاستبدادية.

الحراك ثمرة تراكمات من النضال

رغم الدور الاستراتيجي الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي فإنه لا يمُكن إرجاع حراك الملايين من الشعب الجزائري منذ 22 فبراير 2019 لهذه المواقع وحدها، بل انه كان وليد تراكمات من النضال والاحتقان الشعبي. إلَّا أن الفيسبوك كان المنصة الأولى التي نظمت وسطَّرت كيف ومتى وأين تنطلق الشُّعلة الأولى للثورة. فبعد حملات الدَّعوة إلى الخروج في مسيرات شعبَّية سلميّة مُنظمة، أطلقتها حسابات وصفحات كبرى  وتداولها النشطاء بقوة، ظهرت بعد ذلك صفحاتٌ فيسبوكية تعمل على شيطنة دعوات الخروج في 22 فبراير 2019. بل واتهمت كل من يخرج إلى الشارع أنَّه يخدم مشروع الصهيونية العالمية، وأنَّ هذه الدعوات تحُركها أطرافٌ خارجية تعمل على نشر الفوضى والانفلات الأمني داخل الوطن. إلَّا أنَّ كُل تلك الهجمات الممنهجة باءت بالفشل والخيبة مساء الجُمعة الموعودة، ورسم الشعب الجزائري أجمل صور الاحتجاج السلمي المتحضر بالعالم.

إرهاصات الثورة المضادة 

بعد الجمعة الخامسة، بدأت بعضُ الصفحات الكبرى التي كانت تدعم الحراك الشعبي في التراجع والدعوة إلى العودة لبيت الطاعة مجدداً، بذريعة شبح الفراغ الدستوري وخطورة المرحلة الانتقالية. وتدريجيا انخرطت في دعم خيار النظام في ضرورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية. وهكذا أصبحت كلُّ منشوراتها خارجةً عن سياق الحراك ومواجهة العصابة، وذهبت إلى أبعد من ذلك بشيطنة الشخصيات الوطنيَّة والأيقونات الحراكيَّة وبدأت فعلياً بتطبيق املاءات النظام بمحاولة خلق صراعات داخلية وسط الحراك. وحتى جلُّ الصفحات التي كان مضمونها ترفيهي انضمت إلى الحرب ضد الحراك، كصفحات Algérie foreveراديو طروطوار، حوادث المرور بالجزائر، أنا البسيط، Dz university وغيرها، كلها صفحات تم شراؤُها من طرف النظام بأثمان باهظة جداً خاصة الصفحات المليونيَّة مثل صفحة وزارة الفقر والسعادة، Viva l’Algérie  1.2.3، الجزائر سكوب، وهنا الجزائر، إلخ.

والملاحظ في منشورات هذه الصفحات بعد أن استحوذت عليها المخابرات تلك الهجمات الشرسة التي تشنها على الحراك بغرض كسر وحدته كالهجوم على سكان منطقة القبائل ونعتهم بالخيانة والعمالة.  كما أن مضامين ومنشورات هذه الصفحات تكاد تكون نسخةً طبق الأصل لبعضها البعض، مما يوحي أن مصدرها واحد.

احتدام المواجهة على الفضاء الأزرق 

لم تتوقف المخابرات عند شراء الصفحات الفيسبوكية، بل راحت تفتحُ مراكزاً للذباب الإلكتروني غزت به مواقع التواصل الاجتماعي. إذ يفتحون حسابات ذُبابية يسهل التعرف عليها، حيث تكون حديثة النشأة، لا يضعون صورهم الشخصية بل يختارون لحساباتهم صور حيوانات أو ممثلين أو شخصيات تاريخية. وكثيرا منهم تكاد أوصاف حساباتهم تتطابق، يكرّرون نفس التعليقات، وينسخونها في كلّ منشور على الفيسبوك دون حتى قراءة المواضيع.  تتراصفُ تعاليقهم في الثواني الأولى من وضع المنشور على الصفحات والحسابات الواسعة الانتشار والتي فيها أكبر عدد من المتابعين. يتهمّون الشخص المستهدف بتُهم مختلفة أو يشتمونه بأقبح الأوصاف. غالبًا ما يستعملون جُمل وعبارات مختارة بعناية، مهمّتهم واضحة وهي توجيه التعاليق في اتجاه معيّن. وغالبًا ما يتبنّون خطابًا إقصائيًا داعيًا إلى الكراهية والاستفزاز ويستغلون تعاطي بعض المعلّقين مع “غريزة القطيع” وعدم خروجهم عن موضوع تعليقات المتفاعلين.

 لقد كان الأثر السلبي لهذه الصفحات والحسابات هداما في مبادرات هيكلة الحراك المتكررة. فكلما اقترح الحراكُ الشعبي شخصيات وطنيّة لتُمثله سواءً داخل الوطن أو خارجه، إلًّا وتعرضت هذه الشخصيّة إلى حملةشرسة من التخوين والتشويه من طرف جيوش الذباب الالكتروني التي تُروّج لمناشير مسيئة لهم، وتضع معلومات ووثائق مزيفة وتنسخها على المئات من الصفحات والمجموعات والتعاليق. ذلك تماما ما حصل مع كريم طابو، مصطفى بوشاشي، المجاهد لخضر بورقعة، والعربي زيتوت وغيرهم. ولعل فضيحة الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية الجزائرية أحسن دليل على أن مراكز الذباب الإلكتروني تُحرَّك من رئاسة الجمهورية. فقد أخطأ مسير صفحة فايسبوك المرادية بتاريخ 16 ماي الفارط عندما نشر منشورا ذبابياً سخيفا يستهزئ بأحد أبرز وجوه المعارضة محمد العربي زيتوت ويصفه بكلام بذيء لا يمت للأخلاق بصلة. ثم حذف المنشور بعد دقيقتين من النشر، ولكنه كان قد تداولته العديد من صفحات الذباب، مما يؤكد أن الُمشرف على هذه الصفحات وصفحة رئاسة الجمهورية الرسمية هو نفس المسير. يبدو ان الأمور كانت قد اختلطت عليه ليضع الرئاسة في موقف بائس عكس المستوى الضحل لخدم نظام العصابة المستجد هذا.  

ولأن هذه الهجمات الإلكترونية للذُباب غزت مواقع التواصل الاجتماعي، حاولت صفحات الأحرار التصدي إلى هذه الحملات بنشر الوعي ومواجهة الثورة المضادة التي يقودها النظام بكل شراسة. لكن إدارة الفيسبوك “قسم شمال إفريقيا والشرق الأوسط الموجودة في الإمارات” كانت متواطئةً مع النظام الجزائري حيث أغلقت المئات من صفحات الأحرار منها: صفحة الحراكtv، ثلاث صفحات للمناضل السياسي فضيل بومالة، صفحة كريم طابو تمت قرصنتها ثم غلقها، 13 صفحة للمدون والناشط أمير بوخرص “َأميرDZ”، صفحة anti chita، المنشار، السلطة للشعب، شبكة أونديراكت الجزائرية، شبكة رصد الجزائرية، هنا الجزائر والمئات من الصفحات الأخرى الداعمة للحراك.

وقد تمَّ حجبُ العديد من المواقع الإلكترونية التي تتناول أخبار ومواضيع عن الحراك أو تدعمه مثل موقع حركة رشاد، وموقع راديو أم، Maghreb émergent، ، Interlignes ،L’Avant Garde. ناهيك عن إغلاق قناة المغاربية التي كانت تنشر أخبار الحراك على مدار 24 ساعة.

وأمام هذه الممارسات التعسفية قامت الجالية الجزائرية في نوفمبر 2019 وعدة مناسبات أخرى وقفات احتجاجية أمام مكاتب إدارة الفيسبوك في عديد عواصم العالم، مثل لندن، وبروكسل، ومدريد، وباريس، ونيويورك تنديداَ بغلق إدارة الفيسبوك لمئات الصفحات المساندة للحراك الشعبي. اتهم المحتجون السلطات الجزائرية بتحريض الرأي العام الدولي ضد الحراك، وفي المقابل عبَّرت الحكومة الجزائريَّة عن انزعاجها من بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي واتهمتها بنشر أخبار مزيفة وتنشيط حملات ضدَّ مؤسسات الدولة.

الحجر الصحي فرصة لقمع نشطاء الفايسبوك

من جهة أخرى استغلَّ النظام الأزمة الصحيَّة التي يمر بها العالم والحجر الصحيّ المفروض على البلاد مُنذ منتصف شهر مارس الفارط والذي تسبب في تعليق مسيرات الحراك الشعبي. إذ راح يُفعّل آليات القمع وتسريع الثورة المضادة من خلال خنق جميع الأصوات المُعارضة عبر اعتقال ومتابعة النُشطاء الميدانيين، وكذا أصحاب الصفحات والحسابات على الفيسبوك. فقد بلغ عدد الناشطين الذين استدعتهم السلطات والأجهزة الأمنية أكثر من 2000 ناشط حسب ما صرحت به المحامية عائشة زميت، بسبب منشورات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. مما جعل النشطاء يطلقون العديد من الوُسوم على موقعي تويتر وفيسبوك أبرزها: #توقفوا عن استدعاء النشطاء، #تروح كورونا زيدو أنتوما، #حراكنا مستمر، #سنعود لحراكنا.

ودائما في إطار استغلال العصابة المستجدة للحجر الصحي، راحت الحكومة تستخدم وسائل قمعية أخرى إلى جانب الذباب والاعتقالات العشوائية، وذلك بالقيام بتعديلات على قانون العقوبات الجديد بتاريخ 19 أفريل الفارط. فقد سن قوانين مطاطة لتكييفها حسب أهواء السلطة والقضاء، على رأسها نبذ خطاب الكراهية والتمييز العنصري، وكذا تجريم نشر أخبار كاذبة أو أخبار تمس بأمن الدولة والوحدة الوطنية. وقد اعتُقل العشرات من الناشطين على خلفية هذه القوانين الجائرة وغير الواضحة. بل وأصبحت هذه القوانين تُطبق حتى على من يقوم بفضح أي نوع من التجاوزات الذي يتعرض إليه المواطن، أو بفضح الحالة الصحية الكارثية التي تعيشها المستشفيات الجزائرية في ظل انتشار فيروس الكورونا وعجز سياسة عبد المجيد تبون على التحكم في الأوضاع.  لكن رغم هذه الاعتقالات والأحكام الجائرة في حق مواطنين أبرياء، ذنبهم الوحيد أنهم يحلمون بدولة العدل والقانون، إلا أنَّ هذا لم يُثبط من عزيمة النشطاء ولم يوقف نضالهم، بل تحُّدوا بطش النظام مسلحين بكلمة الحق وجعلوا من الفضاء الأزرق إعلاماً حراً يعبر عن آرائهم وينقل انشغالاتهم. 

إتحاد صفحات الأحرار 

 إن كل هذا القمع والانتشار الرهيب للخلايا الالكترونية التابعة للنظام والهجوم الممنهج الذي تُمارسه على الأحرار وصفحاتهم، جعل مجموعة من الناشطين وأصحاب الصفحات الحُرّة يرون ضرورةً ملحة في التوحُد والتنسيق المنظم بينهم. فأصدروا بياناً جاءت فيه دعوةٌ لباقي الصفحات الحُرَّة إلى الانضمام لهذا الاتحاد، موضحةً أسبابه وأهدافه التي تلخصت في دعم الشعب الجزائري في حراكه السلمي ومساندته بكُل الآليات النضاليّة، وكذا حذّر اتحاد الصفحات من لُغة التخوين والطعن بالرأي المخالف الذي يُعتبر مخلباً يغرسه الاستبداد في جسد اللُّحمة الشعبية لتمزيقها، كما تجنَّبت هذه الصفحات ذكر أسمائها بالبيان تفادياً لكيد النظام وحمايةً لمسيريها. هدف المبادرة هو خلق واجهة إعلامية فايسبوكية مُوحدة لتُجابه حملات التضليل والتثبيط والتخوين، وفي المقابل تنقُل وتدعم المبادرات الخيّرة التي تخدم الرغبة الشعبية والحراك، وتكون سنداً أيضاً لمعتقلي الرأي. كما تطمح هذه المبادرة الى ان تصبح منصةٌ إعلامية حُرة تعمل على التنسيق بين النُّشطاء للرفع من وتيرة الاحتجاجات السلمية والتصعيد. 

لقد تمكنت هذه المنصات الإلكترونية الجديدة من كسر احتكار الإعلام التقليدي للمعلومات والأخبار التي أصبحت أدوات في يد الأنظمة المستبدة تُحركها كيفما تشاء في غياب تام لحُرية الرأي، فمواقع التواصل الاجتماعي هي فضاءات تتمتعُ بالانفتاح والتشاركية وحرية النشر، مما جعل نجم هذا الإعلام الرقمي الجديد يسطع أكثر فأكثر. ورغم القيود القانونية والعقوبات القضائية التي تفرضها السلطة الجزائرية على هذه الفضاءات إلا أنها لم تتمكن من السيطرة عليها كما تفعل مع الإعلام التقليدي. ولم يقتصر التغيير الرقمي على أمر الأخبار وتداول المعلومات في تحدي السلطات ولكن الأمر تعدى ذلك للدخول في دهاليز الدولة حتى الأعماق وكشف ما كان لا يمُكن الكشف عنه في السابق وجعله متاحاً للجميع. فحتى الأحاديث الجانبية والاتصالات بين رجال السلطة وصور الاجتماعات واللقاءات وحتى الصور الشخصية باتت مهددةً أيضاً بالنقل إلى العلن والكلمةُ أصبحت محسوبةً لأنها مُهددة بالإذاعة في أي وقت.

وهكذا يتضح الدور الذي تلعبه الحرب الإلكترونية بالجزائر، فرغم هذا الصراع المحتدم بين النظام والثورة الشعبية إلاَّ أن الكفَّة تميل لصالح الشعب المنتفض، الذي لا يزال مُتمسكاً بمطالبه ومصراً على استكمال نضاله الذي لم يتوقف منذ 22 من فبراير 2019، رغم كيد النظام، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو على الميدان فلن يهدئ بال هذا الشعب إلا عندما يحقق الدولة المدنية، دولة العدل والقانون والحريات الديمقراطية.

شارك في النقاش

تابعنا