16 سبتمبر، 2021
الفن في زمن الثورة أغاني من قلب الملاعب | نبيلة

الفن في زمن الثورة أغاني من قلب الملاعب | نبيلة

خلال السنوات الأخيرة من حُكم عبد العزيز بوتفليقة وعصابته، جعل مناصرو كُرة القدم من الملاعب ساحة لترديد شعاراتٍ غاضبة ومُعبرة في شكل أغاني جماعيَّة تجاوزت مُناصرة الفرق الرياضيَّة. وقد تبنت هتافات الملاعب القضايا السياسية والاجتماعية والظُروف المعيشيَّة للبلاد المتدهورة ومعاناة الشباب من البطالة ولجوئهم إلى المخدرات والهجرة غير القانونية هرباً من الواقع المرير الذي تغرق فيه الجزائر. صدح مناصرو الفرق بالعديد من الأغاني والشعارات من قلب ملاعب كُرة القدم وعلى رأسها أغنية فريق أولاد البهجة “La casa del Mouradia”. وهي من أقوى الأغاني التي ردَّدها الشباب في المسيرات الاحتجاجيَّة. استهلَّ مناصرو الفريق مطلع الأغنية بعبارة ” ساعات الفجر وماجاني نوم راني نكونسومي غير بشوية” أي أنّه ببعض الأوقات يبزغ الفجر ولا يأتيني النوم أنا أنتهي تدريجيا” وهو تعبير عن الحالة النفسيَّة المُتدهورة للشباب الجزائري نتيجة القهر الذي يعيشونه بوطنهم والذي أرجعوا سببه إلى العُهدات الأربعة للمخلوع عبد العزيز بوتفليقة حيث أعطت الأغنية لكل عهدةٍ عنواناً مناسباً في إشارةٍ إلى الخديعة التي تعرضوا إليها من طرف النظام الفاسد.

ومن بين الأغاني التي وُلدت من رحم الملاعب أغنية ” شكون سبابنا”؟ هي أغنية لمُناصري فريق اتحاد الحراش، كانت حاضرةًّ بقوة أثناء المسيرات الشعبية نظراً لما تحمله من كلماتٍ قويَّة تعكسُ مأساة الشباب الذين يُرجعون سبب معاناتهم إلى نظام العصابة الذي أرهقهم بالبطالة والمُخدّرات والمستقبل الغامض. كما يُعبِّرُون في الأغنية عن رغبتهم في الهجرة “الحرقة” للبحث عن ملاذ يجدون فيها الكرامة التي فَقدوها ببلدهم. 

أغنية “يا ربي أنا عييت” أي يا رب أنا تعبت، هي أغنية لمُناصري فريق اتحاد الحراش والتي يُعبر فيها الشباب عن تعبهم من تعاطي المُخدرات ومن الوُعود الكاذبة للنظام وتأسُّفهم عن حياتهم البائسة التي كانت ستكون أفضل لو أن البلاد لم تكن بأيدي عصابة. 

منذ بداية الحراك شهدت الساحة الفنيَّة الجزائرية العديد من الأعمال الإبداعيَّة من أشعارٍ ورسوماتٍ وأغنيات بمُختلف الطبوع والألحان على غرار الراب، الراي، الشعبي وأغاني الملاعب وغيرها. وقد لاقت هذه الأعمال الفنيَّة الكثير من التفاعُل خاصة من طرف الحراكيين الذين حفظوا بعض هذه الأغاني المُعبرةِ عن حالتهم وعن حالة البلاد وأخذوا يرددونها بالمسيرات الشعبية بصوت واحد، ومنها من حافظوا على لحنها لكن غيروا كلماتها حتى تتلاءم مع مطالبهم وتنديداتهم. 

لعل أشهر هذه الأعمال كان فيديو كليب للمُدون أنس تينا بعُنوان “لا أنت لا تستطيع” والذي انتقد فيه بشدة ترشُّح عبد العزيز بوتفليقة لعهدةٍ خامسة. أصدر الفيديو بتاريخ 25 فبراير 2019 أي بعد يومين من انطلاق الثورة الشعبية السلمية، حيثُ حقق أكثر من 03 ملايين مشاهدة على اليوتوب. كما أطلق مجموعة من الفنانين والممثلين والإعلاميين أغنيةً مع الفنان “جام” تحمل عُنوان “libérez l’Algérie”.  عبرت الأغنية عن رفض العهدة الخامسة وكذا دعوةٌ للشعب الجزائري أن يتحرر ا من الظُلم والاستبداد.

كما تصدرت الفنانة الجزائرية رجاء مزيان المرتبة الأولى في عدد الأغاني التي سجلتها للثورة السلمية، وضدَّ النظام الذي حرمها من ممارسة المهنة التي درست من أجلها وهي المحاماة. تعرضت رجاء مزيان للعديد من المضايقات خلال مشوارها الفني بسبب أغانيها السياسيَّة، حتى أنَّها تعرضت للمساومة سنة 2014 إذا لم تُغني مُساندة للعُهدة الرابعة فسينتهي مشوارها الفني بالجزائر. الأمر الذي اضطرَّها إلى الهجرة خارج الوطن سنة 2015. 

أمَّا أغانيها عن الحراك فكانت أولها أغنية “ألو سيستام” التي أطلقتها بتاريخ 05 مارس 2019، حيث تصف رجاء المسيرات الشعبية بالطوفان المُطالب بجمهورية شعبيَّة ديمقراطية وليست مَلكيَّة. وبالفيديو كليب تظهر رجاء وهي تتصل بالنظام الجزائري عبر هاتفٍ عموميْ لتُوصل له صوت الشعب ومَطالبه وتُؤكد له أن الشعب قد كسر حاجز الخوف ولن يسكت عن حقوقه ولن يرضى بحكم عصابةٍ نهبت البلاد وأغرقتها بالفساد. حققت هذه الأغنية 53 مليون مشاهدة على اليوتوب، وبعد أسابيع أطلقت رجاء مزيان أُغنيتها الثانية بعنوان toxique مسموم في إشارةٍ إلى أن الأوضاع السياسيَّة بالبلاد مُتعفنة، وأن نظام العصابة لا يزال يُحاول إبعاد الشعب عن السياسة ويسعى إلى اجهاض الثورة. وأضافت رجاء لألبومها أغنيتين للحراك إحداهما بعنوان متمردة “rebelle” التي انتقدت فيها بشدة قائد الأركان الراحل القايد صالح ومحاولته خداع الشعب بالانتخابات كما طالبته بتطبيق المادتين السابعة والثامنة من الدستور وتجسيد سلطة الشعب كمصدر للشرعية السياسية.  كما وجَّهت رجاء انتقادات لاذعة للقنوات التلفزيونية التي تنكرت للحراك الشعبي وراحت تُشيطنه وتدعمُ الثروة المضادة وتُخون الشخصيَّات الوطنية ورُموز الحراك. 

من جهة أخرى أطلق نجم الراب الجزائري لطفي دوبل كانون أغنيةً ضد العُهدة الخامسة بعد أيامٍ فقط من انطلاق الحراك تحمل عنوان “البندية كل لازم يطيرو” أي كل العصابة يجب أن ترحل. تركز الاغنية على كمية الفساد التي عصفت بالبلاد في عهد بوتفليقة، وتشيد بالخروج الكبير للمواطنين بكل ولايات الوطن في مسيرات مليونيَّة رافضة للعهدة الخامسة وللنظام ككل. وقد حققت الأغنية أزيد من 5 ملايين مشاهدة على اليوتوب. 

أما الأغنية التي كانت مُلهمةً للشعب الجزائري وخاصة فئة الشباب منهم هي “La Liberté” أو الحرية للمغني الجزائري عبد الرؤوف دراجي المعروف بـ”سولكينغ” والذي سطع نجمه في أغاني الراب الشبابية ودخل عالم النجومية بعدَّة أعمال ناجحة. جاءت أغنية “La Liberté” التي أداها مع فريق أولاد البهجة مسانِدةً للحراك الشعبي، فقد حقَّقت نجاحاً باهراً ولاقت الكثير من التفاعل من طرف الشباب الذين تغنوا بها في المسيرات بمُختلف ولايات الوطن كون كلماتها تُنادي بالحرية. وقد جاء في مطلع الأغنية انتقادات مباشرة لنظام العصابة فاستهلَّها سولكينغ بـ “يبدو أن السلطة تُشْتَرى إذا الحرية هي آخر ما تبقى لنا”. كما وجَّه رسائل عديدة للنظام منها “إذا تكرر السيناريو ولم يحدث أي تغيير فسنكون ممثلين للسلام” أي أن النظام الحالي إذا استمرَّ في بقائه فإنَّ الشَّعب سيُواصل ثورته السلمية حتَّى يُحقق مطالبه المنشودة.  حققت هذه الأغنية رقماً قياسياً في عدد المُشاهدات على اليوتوب وصلت إلى أزيد من 200 مليون مشاهدة. 

وقدَّم أيضاً الفنَّان الجزائري سمير جغلال المعروف بـ “لالجيرينو” أغنيةً للحراك بعنوان “نخاف عليك يا بلادي” التي أصدرها بتاريخ 11 مارس 2019 حيثُ حقَّقت أزيد من 33 مليون مشاهدة على اليوتوب. أما الفنَّان خالد خديم فقد أطلق أغنية تحمل عنوان “قولولي يا سامعين ألف مليار راحت وين”، حيث تساءل المغني عن مصير الألف مليار دولار التي نُهبت من خزينة الدولة. كما انتقد بشدَّة حُكومات بوتفليقة المتعاقبة ذاكرا أبرز وجوهها على رأسهم عبد المالك سلال، أحمد أويحي ونورية بن غبريط إضافة إلى أسماء مجموعة من رجال الأعمال الفاسدين. اقتبس خالد خديم لحن أغنيته عن الأغنية الشعبية المعروفة بـ”قولولي يا سامعين” للفنان عبد المجيد مسكود. 

وكذلك الأغاني الشعبية والشعر الملحون كان لها نصيب من الحشد للحراك ولعل أبرزها أغنية “الشعب الجبار” للفنان الجزائري محمد قشاشة، الذي يستهل أغنيته بكلمات “الشعب تحضر” في اشادة بتحضر الشعب الجزائري. وقد قدم هذا قشاشة عديد القصائد الشعبية للحراك مثل لقد انطلق القطار “قلعت المشينة” و”سود عمالك رئاسيات”. كما برع شاعر الحراك محمود شكرابي بقصائده الملحونة وأشهرها قصيدة “اسمع يا بني”.

مواهب سُخّرت للثورة 

يربط بين الفن والثورة علاقة وطيدة، فالثورة تُعطي فرصةً لمئات الفنانين والرسَّامين والمُبدعين لتفجير مواهبهم والمساهمة الفعالة في إيصال صوت الشعب ومطالبه وكذا رفع معنوياته والثبات على أفكاره. لم تقتصر الأعمال الفنيَّة الجزائرية على الأغاني بل بَرز الكثير من الشُّعراء الذين أطربوا المناضلين في المسيرات بكلمات مُعبرة لاقت تفاعلاً كبيراً في الحراك. من بينهم الشاب محمد تاجاديت الذي لُقب بشاعر الثورة وإبراهيم لعلامي الذي كتب عديد القصائد التي يهجي فيها النظام الجزائري وهما اليوم معتقلان، في محاولة من العسكر لإخماد الثورة عبر القمع والاعتقالات التعسفية.

الرسم والكاريكاتور كما زُين الحراك بعديد اللوحات والرسومات الفنية التي أبى الرسامون إلَّا أن يُشاركوا بها للتعبير عن مطالب الثورة. ولعل أبرزهم الرسام “نيم” الذي اعتُقل وحوكم بسبب رسوماته. إضافةً إلى اللوحات التي جاءت على شكل “تيفو” يتم تعليقه بالعمارات أو على شكل لافتات بوسط المسيرات والساحات العامة. ولأن مساحة الحرية الإعلامية تقلصت جدا في الجزائر فقد لجأ الرسَّامون الأحرار إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن مواهبهم. ولعل أبرزهم الرسام ” ” ومراد “بيار”. هذا الأخير فضَّل أن يبقى مجهول الهوية لتفادي المتابعات القضائية، نظرا للقمع الذي يطال أيضا التعبير عن الرأي في مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة الفيسبوك.

شارك في النقاش

تابعنا